كيف يهاجرون بدون حقائب ؟ | كيفية الهجرة بدون حقيبة

وفقا للإحصائيات التقديرية التي قامت بها المنظمة العالمية للهجرة مؤخرا يبدو أنّ حصيلة المهاجرين قد فاقت 281 مليون مهاجرا سنة 2022، أي تقريبا 3,5 في المائة من  البشر في  العالم.

لكن بأي معنى يمكن التمييز بين ضروب الهجرة و تداعياتها ؟ هل هي هجرة إقتصادية إجتماعية أم هجرة وجودية ؟  وكيف يمكن تشخيص ظاهرة الهجرة في علاقة بمبدأ الهويّة وروح الإنتماء ؟

 ثم ما هي دواعي الهجر و الهجران إذا ما سلمنا أن الهجرة في الأخير هي هجرة نحو الإنسانية ؟ وما الذي يضمن أنّ الإنسانية هناك خارج الهوية ؟

الهجرة والهوية أو في الهجرة دون حقيبة

تنقسم ضروب الهجرة إلى هجرة نظامية وهجرة غير نظامية وبخصوص هذه الأخيرة تذهب المنظمة  إلى تقديرها بحوالي 155 مليون مهاجرا. وهو ما جعل التمييز صعب بالنظر الى هذا الكم الهائل من المهاجرين صعوبة التمييز بين المهاجرين واللاجئين  .

هذه الأدفاق المختلطة ” les flux mixtes ” خاصة منها المهاجرة من شمال افريقيا أو ما يسمى بالقارة السوداء أضحت تشكل هاجس الدول المستقبلة والمضيفةأوروبا وبقية التدفقات نحو أمريكا و أستراليا و هجرة عالمية تسير وفق سياق عولمي تندثر فيه هويات و تتصنع هويات أخرى مزعومة تزداد فيها التباينات العرقية و الثقافية و تزداد حدة الفوارق الإجتماعية و الإقتصادية.

فدواعي الهجرة عديدة منها ما هو شرعي ومنها ما هو غير شرعي ومنها إرادي ومنها الاضطراري ومنها هجرة للأجساد ومنها هجرة الأدمغة ولئن كانت أسباب الهجرة مختلفة، فإنها تبقى مشكلا عويصا: فالبعض يرى  فيها   خطرا أمنيا أو  عبئا  اقتصاديا أمّا البعض الآخر فيرى فيها  تهديد للهوية.

وإذا ما ركزنا انشغالنا على كيفية هذا التهديد فإنه سوف تتبدى لنا مظاهر هذا التهديد للهوية وبالتالي الحرية إذا ما حصرنا الحرية هنا في الانتماء.

بالرغم من أن الهجرة  أصبحت حاجة ملحّة بالنسبة إلى دول الاستقبال، من اجل استقطاب يد عاملة أكثر وهي التي  يتوقّف عليها النمّو الاقتصادي ويقتضيها  التهرّم السكاني بما تؤمّنه له من تجديد ديموغرافي، إلاّ أنّ الخشية و والتوجّس  من المهاجرين أضحى شعور يلازم الثقافات و الهويات المستقبلة بالنظر  لما يمثله المهاجرين من مخاطر متنوعة تهدّد ثقافتهم , أمنهم , توازنهم الإجتماعي وهويّاتهم .

وقد تكون العولمة هي الدافع الأول للهجرة لأنها لا تمنح امتيازاتها للكل بل قد عمقت التفاوت بين الحضارات و الاثنيات . فالهجرة قد تعولمت بموجب تاريخي اجتماعي اقتصادي وثقافي لكن ما يثير حيرة و قلقا في طرح موضوع الهجرة هو أن الهجرة أصبحت عالمية أو ما يسمى  بعولمة الهجرة لكن يبدو أنها عولمة زائفة و مبادئها باطلة خصوصا إذا ما نظرنا إلى الطابع العنصري الذي تتسم به وعودة ما يسمى  الخطاب الهووي  والممارسات التي تقوم بها بعض الدول الغربية مثل السياسات و القوانين الجديدة الخاصة بالوافدين حتى تحمي مواطنيها وحدودها من  مخاطر الدخلاء و الغرباء في بلدانها  .

المهاجر لا يهاجر بحقيبته

تفترض الهجرة تفاعل ثقافي اجتماعي بين مختلف الاثنيات و هو تفاعل يتداخل مع مسالة الهوية و الانتماء فالسؤال حول الهجرة هو في حد ذاته سؤال حول الهوية فالمهاجر لا يهاجر بحقيبته بل بهويته, ثقافته ,معتقداته وقيمه التي تعبر عن اصله و فصله و انتمائه و بالتالي فإن الفصل بين الهجرة و الهوية هو فصل عبثي تعسفي لا طائل من ورائه . وتأثر الهجرة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الهوية فالمهاجر يتضاءل لديه الشعور بالإنتماء و الإحساس بالهوية وبالتالي يعيش تأزما هوويا ويصبح في حالة من الاغتراب و الضياع المشفوع بالتشتت فمن جهة انتمائه الأصلي (ثقافته وهويته ) و من جهة أخرى محاولة التأقلم مع هوية وثقافة البلد المستقبل الّذي يشترط جنسية جديدة و انتماء جديد و بالتالي قيم ومبادئ و معتقدات أخرى مختلفة عن قيمه ومبادئه الأصلية , فالأمر يقتضي الاختيار بين ضربين من الانتماء . وهذا ما يخلق مشكلا في التعامل مع الهوية .

ومن هنا أصبح الحديث عن هجرة الهوية ممكنا خصوصا إذا كانت الهوية تعني مختلف المقوّمات التي تجسد كينونة شعب ما , لكن هناك معنين للهجرة يتمثل المعنى الأول في :

أزمة الهوية وهجرانها:

فأن يهاجر المهاجر هويته هو أن تتنصل من كل الروابط والمقومات التي تحدد هويته كأن يتنصل من لسانه ودينه وعاداته وتقاليده والنظم والأعراف التي تجسّد انتمائه و أصله وفصله. فهو يهاجر و يتخلى عن هويته لا يحملها معه  لأنّه يستعار منها ولا يفتخر بها في ثقافات وشعوب أخرى وقد تكون الأسباب كثيرة إلاّ أنّ أبرزها هو نتيجة المعاملات والسلوكيات التي تنتهجها بعض الدول المستقبلة للمهاجرين و ما تقوم عليه من سياسات عنصرية ترى في الآخر الثقافي ذلك الغريب الذي يجب أن تحطاط منه وان تحذر من نواياه وأفعاله ومدى تأثيره على المجتمع الذي يلجأ إليه .

أما المعنى الثاني فهو تحقق الهوية وانتعاشها :

أي ثرائها وازدهارها ووقعها بين الهويات وذلك حين  عندما نسافر بها إلى العالم ونعرف ونعترف بها دون إحتقار أو تخاذل ودون التفريط في المبدأ المؤسس لها وهو الانتماء . فالمهاجر يحمل معه هويته يفتخر بها و يمنحها تلك القيمة و ذلك الاحترام الذي يخول لها أن تكون محل إعتراف وهيبة بين الهويات والثقافات فهو لم يهاجر هويته بل هاجر معها حملها معه ودار بها العالم وهذا هو معنى الانفتاح و التلاقح الثقافي .

هذين المعنيين للهوية يجسدان نوعين من المهاجرين: الذي يهجر هويته ويتركها منغلقة و الذي يهاجر بهويته لتنفتح على العالم.

وهذا التعامل الأجنبي مع المهاجرين زاد من قسوته و حدة ممارساته العنصرية  خصوصًا في ظلّ صعود أنظمة يمينية شعبوية اتّخذت من مكافحة  المهاجرين و التصدي لظاهرة الهجرة ورقة انتخابية في إطار بقاء ظاهرة الإرهاب ذلك الطاعون الذي يصيب الأنفس المتعصبة ويبعث إلى اندلاع  الحروب الأهلية. ومن هذه الحيثية تصبح الهجرة هاجس البلدان المستضيفة بالرغم من مزاياها خاصة منها الاقتصادية .لكن هذه القيود على الهجرة لم توقف حركة الهجرة بقدر ما ساهمت في ابتكار طرق وسائل غير شرعية لاختراق الحدود و في أغلبها خطيرة على المهاجر خاصة المهاجرين من إفريقيا إلى أوروبا.

وقد أشارت المنظمة في عديد المناسبات انه يتم الاتجار بالمهاجرين الأفارقة في ليبيا باتجاه أوروبا في أسواق تدعى “أسواق العبيد “ إلى جانب تعرضهم للتعذيب و التنكيل بهم بممارسات لا إنسانية.

هجرة نحو الإنسانية

فغياب السلم  و العيش الكريم والعمل من اجل الكرامة و ابسط متطلبات الحياة كالخدمات الصحية و  التعليم الأمن بأنواعه ( الأمن الإجتماعي ,  الأمن الصحي ,الأمن السياسي و الأمن الإقتصادي الغذائي )  الاضطهاد و الاستعباد كل هذه الدوافع جعلت قرار الرحيل ضرورة تمليها الوضعية الإنسانية للمهاجرين فهم لن يهاجروا من أجل تلبية غرائز حيوانية بقدر هجرتهم نحو الإنسانية و تحقيق مبدأ العيش ضمن أبعاد وقيم إنسانية و لجوئهم للآخر الثقافي ليس سوى بحث عن الإنسانية . فلا يخاطب فيه عطفه بل يخاطب فيه إنسانيته التي لم يشعر بها داخل هويته لأنّه يجب الإعتراف بأنّ الأخر الثقافي الغربي الأوروبي أكثر إنسانية وأكثر عدلا و احتراما لحقوق الإنسان . و اللجوء إليه للمساعدة قد يكون خيارا وقرارا عسيرا إلا انه يبقى القرار الأفضل خاصة إذا كان الهجر هو هجر الممارسات اللا- إنسانية و العبودية التي تمارسها بعض الحكومات .

فاللاجئ مثل المهاجر اضطر للهروب من واقع لا إنساني ظنا منه انه سوف يلجأ إلى واقع يجد فيه المساعدة والعدل و المساواة  و الحرية و الديمقراطية واقع يحترم حقه في العيش كانسان  فهدفه الأول تلبية حاجياته الإنسانية والقيمية أكثر منه تلبية حاجيات و غرائز مادية . فهي هجرة نحو الإنساني في الإنسان .

يبدو أن مبدأ المراهنة على الهوية وتثبيتها قد يتهاوى طالما أن بعض الأفراد وحتى المجموعات تشهد أزمة هويّة أو العيش وفق اللاّ-هويّة  أو ربّما هوية مفقودة يقع التخلي عنها مع الهجرة و ربما هوية تذهب وتسافر إلى العالم مع المهاجرين .

لكن ما هو منشود اليوم من اجل الحفاظ على الهوية وعدم التنصل منها ومعاشرتها دون مهاجرتها هو للثقافة و أبنائها من التمسك بيقين أصالتهم و بتفوقهم على الآخرين بدرجة ما.

ويمكن للثقافة أن تنتج كل شيء في ظل شروط الحد الأدنى من الاتصال أي لا إفراط ولا تفريط في الاتصال

و بالتالي لكي تكون الهوية هذه هي ذاتها حقا, ولكي تبقى أساس متين تحتمي به الشعوب يجب المحافظة عليها وعدم التفريط في مقوماتها كاللغة والدين والعادات والتقاليد والنظم والأعراف السائدة في مجتمع بعينه.

الكاتب : روضة كاتب
اخبرنا شيئا عن نفسك.

إنضم إلينا وشارك!

إنضم إلينا الان
انضم إلى مجتمعنا. قم بتوسيع معرفتك وشارك أفكارك ومقالاتك!

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن