كيف يخلق المخ البشري الوعي ولماذا؟

لطالما كافح العلماء والفلاسفة لكي يوضحوا كيف يولِّد المخ خبرات معرفية واعية. وقد شكك البعض في قدرة الأدوات العلمية الحسية في السيطرة علي ظاهرة معنوية جدا! وبالرغم من ذلك بدأ الباحثون تحديد التغيرات التي تشمل نشاط المخ المصاحب للوعي وتمكنوا من تحصيل أفكار مدهشة عن لماذا ينشأ الوعي! وكيف استنبط المخ معرفة واعية من نشاط كهربائي لملايين الخلايا العصبية يبقي واحد من أسئلة الحياة الكبيرة الغير مجاب عنها إلي اليوم؟ جميعنا يعلم أننا واعين في سياق امتلاك الأفكار والإدراكات والمشاعر لكننا غير قادرين علي إثباتها لأي أحد آخر. فقط نحن نملك العبور إلي الوجود الغامض الذي يمكننا من اختبار هذه الأفكار والإدراكات والمشاعر. في تسعينات القرن الماضي وصف الفيلسوف ديفيد شالمرز تعذر الوصول إلي الاستقراء الخارجي المحسوس بمشكلة الوعي الصعبة. فقد افترض أنها مهمة سهلة علي العلماء لكي يتعقبوها هي الروابط العصبية، أين وكيف يتغير النشاط المخي عندما يختبر الناس تجارب واعية. واذا نحينا حب الاستطلاع جانبا فإن العلماء هم الأكثر قدرة للتحفيز لكي يكتشفوا الارتباطات العصبية للوعي لكي يساوعدوا في تشخيص وعلاج اضطرابات الوعي، مثل حالات الخمول الدائمة وبعض المشكلات النفسية الأخري.

ثلاثة أبعاد للوعي:

الوعي له أبعاد متفردة متعددة والتي يمكن قياسها، ثلاثة منهم الأكثر أهمية؛ أولا اليقظة أو الانتباه الوظيفي ثانيا القدرة علي اختبار تجارب ذهنية واعية تشمل الأفكار والمشاعر والإدراكات. ثالثا التنظيم الحسي أو كيف تصبح الادراكات المختلفة والمبادئ المبهمة متداخلة معا لكي تنتج خبرات واعية متواصلة وغير منتهية. هذه الثلاثة أبعاد تتداخل فيما بينها وتنتج حالتنا الواعية من لحظة لأخري، فعلي سبيل المثال عندما نستيقظ نكون في حالة عالية من الوعي وبينما ننجرف علي مدار اليوم حتي الوصول إلى النوم يتلاشي ذلك الوعي والانتباه.

الوعي واليقظة الوظيفية تعود أثناء النوم العميق وهو وقت حدوث الأحلام والكوابيس، لكن تلك الخبرات الحسية يتم فصلها من المؤثرات الخارجية وعزلها عن القواعد المتجذرة التي تربطنا بالواقع بينما نحن يقظين. في طريقة مشابهة، تغير حالات الوعي مثل تلك المستدعاة بسبب أدوية نفسية وعصبية أو نقص نسبة تشبع الخلايا بالأكسجين تشمل مستويات عادية من اليقظة لكن بخبرات حسية غير منظمة. وهذا يشمل الهلاوس السمعية والشمية والبصرية كذلك التبعية الحسية عندما يحدث تلاقي بين أحاسيس متفردة بطبيعتها مثل أن يحفز مؤثر صوتي كبعض الأغاني خبرات بصرية! الناس في حالات الإغماء أو تحت التخدير الكلي يمكن أن يختبروا مستويات من اليقظة والوعي والتي هي أقل من النوم العميق. في تلك الأثناء في حالة الوعي الهجين والغريب المعروفة بحالة اليقظة لكن من دون استجابة أو حالات الخمول يدخل المرضي في دورات يومية من النوم واليقظة لكن من دون ابداء أي علامة علي الوعي. بالرغم من طول المدة والعين مفتوحة فهم لا يستجيبون لأي مؤثر خارجي. بعض هؤلاء المرضي يستعيد الوعي بعلامات محدودة معروفة بحالة الوعي الطفيف مثل القدرة علي الرد علي التعليمات او اتباع جسم متحرك بأعينهم.

الارتباطات العصبية بالوعي: حدد العلماء صور من النشاط المخي من خلال مقاييس الاتصال الوظيفي باستخدام أساليب الإحصاء لكي توضح الارتباطات بين توقيت الاحداث العصبية في أجزاء المخ المختلفة. وهذا يوضح شبكة مناطق المخ المسئولة عن الذاكرة والانتباه والتفكير علي سبيل المثال لا الحصر. وعندما تمتزج المعلومات المحصودة من نتائج الرسم العصبي المخي والرنين المغناطيسي يكتشف الباحثون ذلك النشاط الحاصل عميقا داخل المخ هناك حيث سرير المخ “الثالمس” وتتنوع أثناء اليقظة كخطوة مع النظام الأساسي الشبكي. فسرير المخ يعمل كمحطة تجتمع فيها الاشارات الحسية بينما النظام الشبكي الاساسي هو مجموعة من المناطق داخل القشرة المخية وهي الطبقة الخارجية من المخ تلك المشمولة أولياً في الوعي الذاتي. بالمقارنة أثناء النوم غير الحالم والمرضي تحت التخدير ينقطع الاتصال الوظيفي بين سرير المخ والقشرة الخارجية المتقدة في حالات الانتباه واليقظة. في اضطرابات الوعي يسطيع أن يري الباحثون نقص الاتصال الوظيفي والتلف العضوي الذي قد يصيب الوصلات الشبكية ما بين قشرة المخ والمكونات الأكثر عمقاً. وهذا يبين كيف هي أهمية تلك الوصلات لاستمرارية اليقظة وتبادل المعلومات حوالين المخ.

أرضية ومساحة النشاط المخي: علي الرغم من التطورات في فهمنا للارتباطات العصبية للوعي إلا أن الأطباء ما زال لديهم مشكلات في تشخيص المرضي الغير قادرين علي الرد أو الاستجابة أو اتباع التعليمات. فهم لا يمكنهم أن يقولوا أن مثل هذا المريض غير واعي تماما، فهو واعي لكن معزول عن المؤثرات الخارجية أو واعي بالظروف المحيطة لكن غير قادر علي الاستجابة. أسلوب جديد تماما تم التوصل إليه نشر حديثاً في جريدة الطبيعة يمكن أن يمدنا بطريقة لتقييم حالة اليقظة والوعي وتنظيم الاحاسيس لدي ذلك المريض. فبدلا من تسجيل النشاط العصبي في أماكن محددة من المخ، الطريقة الجديدة تقيس مستويات النشاط خلال المخ. فهذا بمثابة تسجيل المنحدرات علي خريطة وتغيراتها مع الزمن بدلا من تسجيلها في طريق او قري أو مدن. وهي تأخد في الحسبان حقيقة ان كل منظقة مخية لها وصلات وكذلك وظيفة مختلفة. الوعي معقد جدا ودراسته مثل حل لعبة المكعبات المختلطة. واذا نظرت الي مسطح واحد فمن المؤكد أنك سترتبك بشأن التنظيم فأنت في حاجة لأن تعمل علي فزورة متعددة الابعاد والجوانب.

مستويات الوعي الثلاثة:

١- اليقظة والانتباه.

٢- الإحاطة.

٣- الدمج الحسي.

نظريات الوعي:

وكيف ينشأ الوعي من النشاط المخي. افترض العلماء نظريات متعددة لكن هناك فكرتان سائدتان:

أولا مساحة العمل العصبية العامة:

وهي باختصار تفترض وجود شبكة وصلات طويلة المدي التي تحاوط المخ تسمي مساحة العمل العامة. المعلومات العصبية تصبح واعية عندما تكتسب سماحية لعبور هذه المساحة والتي تسمح لها أن تنتشر وتذاع حوالين المخ وتشمل المناطق المتخصصة كالذاكرة والاستقبال والحركة والانتباه. وبشكل حاسم إنها حالة يمكن وصفها بأن الفائز يستحوذ علي كل المكاسب! لاجل استنتاج محدد ناتج من معلومات حسية استطاعت العبور الي مساحة العمل العامة تلك. وهذا يفسر الخداع البصري!

ثانيا المعلومات المدمجة:

اتصال واندماج المعلومات بين مناطق المخ يقع في القلب لنظريات الوعي. واحدة منهم هي تلك التي تستخدم معادلة معقدة لكي تحسب درجة الوعي كوحدة متكاملة من كيفية تداخل المعلومات. طبقا للمعادلة حتي الأشياء الغير حية مثل الصخور ومعالق الشاي لديها وميض من الوعي. هذا في مواكبة النظرية الفلسفية النفسية الشاملة، التي تفترض أن الوعي هو ملك أصيل لكل النظم الجسدية.

كيف يعني السيطرة علي الانتباه؟! ينتقد احد الباحثين كل تلك النظريات موضحا ان جميعها يصف الوعي لكن لا يشرحه! ويشبه الاختلاف بين قانون الجاذبية لنيوتن كمعادلة لحساب قوي الجاذبية ونظرية الحقيقة العامة لاينشتين التي تشرح ماهية الجاذبية أصلا! وانتقل ليشرح في نظريته الخاصة لماذا نؤمن بأننا واعيين؟! ونحن لكي نتحكم في أجسادنا المخ يستخدم نموذج داخلي للأطراف وأماكنهم في الفراغ وكيفية عملهم ويؤكد أن التحكم في الانتباه ليس فيه اي اختلاف عن هذا السياق! وما هو أكثر من ذلك أن نموذج الانتباه يقود الناس إلى الايمان بالوجود الداخلي الذي يسمح لهم بتركيز انتباههم.

حالة الوعي الغير مرتبطة بأي محتوي!: وبشكل مدهش، الشخص الخبير في التأمل يستطيع أن يصف حالة من الوعي الخالص التي لا تدخل فيها أي أفكار أو أحاسيس أو وقت أو مكان أو حتي إحساس بالنفس!!

وبدراسة الرسم المخي العصبي لهذه الحالة وجد الباحثون سقوط حاد في موجات ألفا وزيادة في موجات ثيتا وهذا يؤكد وجود نموذج داخلي للوعي! ويعتقد أن هذا النموذج هو ملك للانتباه ذاته ومن الممكن أن ينشأ في معزل وغير مصاحب بأي شئ يجذب الانتباه..

حتي بدون أفكار وأحاسيس ومشاعر يبدو أن الوجود الغامض للوعي سيستمر…

الكاتب : عمرو الجويتي كاتب محترف
اخبرنا شيئا عن نفسك.

إنضم إلينا وشارك!

إنضم إلينا الان
انضم إلى مجتمعنا. قم بتوسيع معرفتك وشارك أفكارك ومقالاتك!

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن