من كتاب الدرع العاطفي:
اهميه الوعي العاطفي وتأثيرة على الحالة الصحية للجسم وذلك من خلال عدة عناصر هي الوعي العاطفي وعلاقته بالأمراض ، الوعي العاطفي وعلاقته بالإرادة ، تاثير العواطف على الجهاز المناعي وخطورة الهموم العاطفية على الجهاز المناعي .
أولا: الوعي العاطفي في مواجهة الأمراض:
هناك مشكلة كبيرة تتعلق بموضع الوقاية العاطفية أثناء المرض ، والمشكلة تبدأ من تجاهل بعض الأطباء لرد الفعل العاطفي عند المرضى، في أثناء عنايتهم لهم، و لحالاتهم البدنية والصحية، وقد يؤدي عدم الاهتمام بالواقع الانفعالي للمريض، و تجاهل المجموعة المتنامية من الشواهد العاطفية والنفسية، إلى تأخر الشفاء .
فمن الواضح إمكانية أن تلعب هذه العواطف والحياة العاطفية دورا مهما، في سرعه تأثر هؤلاء المرضى والناس عامة بالمرض ، وكذلك تؤثر في مسار علاجهم، والواقع أن كل الرعاية الطبية الحديثة، وعلى ما بها من تقدم، ينقصها أمر هام، وهو الذكاء العاطفي، والوعي الانفعالي في معظم الأحيان، فقد تكون مقابلة المريض مع الطبيب أو الممرض وسؤالهم عن حالته، فرصة عظيمة له للتأكيد على معلومة في عقله أو شعور داخلي مهم عنده.
ويترتب على ذلك شعور هذا المريض بالراحة والاطمئنان أو بداية لشعوره باليأس والصدمة، وذلك حسب ما يقوله الطبيب أو الممرض له عند الإجابة على سؤاله السابق، فقد يصدم الطبيب مريضه حين يحرص على مصارحته بحالته الصحية، هو في هذه الحالة لا يهتم بما قد يصيب المريض من قلق ويأس، قد يؤثر على تدهور حالته الصحية وعلى طرق العلاج فيما بعد .
أما إذا راع الطبيب الحالة الانفعالية للمريض، وعدم التعجل في مصارحته بالمرض، قبل أن يبدأ في العلاج والتأكد من المرض ،عن طريق إجراء الفحوصات اللازمة لذلك، فقد يؤثر ذلك على المريض، وينعكس على مدى قابليته للعلاج، وعلى جهاز المناعة لديه، وهذا ما يؤكده معظم الأطباء المهتمون بذلك الأمر.
وهناك أيضا الجانب الإنساني في رعاية الأطباء للمرضى، وهم تحت العلاج هذا الجانب الذي يجب أن يوضع في الاعتبار، على أنه عامل أساسي في العلاج، ومساعد على الشفاء من المرض، أو الوقاية من الأمراض .
و كذلك تقدير الواقع السيكولوجي والاجتماعي و الثقافي لدي المرضي، فهذه الأمور لها جزء مهم من الفاعلية الطبية في مجالي الوقاية والعلاج، يمكن تحقيقه عن طريق دراسة وعلاج حالة المرضي الانفعالية، وانعكاس ذلك على حالة الناس عامة إلى جانب حالتهم الجسدية.
وهذا ما لاحظناه من الدلائل المتزايدة أثناء فترة انتشار الكورونا ، والتي كانت واضحة للجميع ، وذلك مثل: أن العلاج يكون أنجح وأكثر تأثيرا إذا كان هناك تدخل عاطفي ملحوظا أثناء الرعاية الطبية للمرضى، وأثناء الوقاية من المرض ، فلابد من أن نراعى أن المريض وهو أثناء فترة علاجه ، يحتاج إلى أي مساندة عاطفية ولو بالاتصال التليفوني له، ويجب عدم التعامل معه كأنه منبوذ ، فقد يؤثر ذلك علي تقبل الجِسد والجهاز المناعي للعلاج ،ومحاربتهما لهذا المرض.
ثانيا :الوعي العاطفي وعلاقته بالإرادة:
ولقد ظهر حديثا، ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح “العلاج بالإرادة”، هذا المصطلح الذي انتشر لدى معظم الأطباء ،وهو قائم على العمل على تحفيز الجهاز المناعي للجسم، والاهتمام به، من خلال الرياضة، ونوعية الأطعمة، و الاهتمام بالحالة الروحية والعاطفية والنفسية لديه.
فالمعتاد في علوم الطب أن المخ والجهاز العصبي المركزي وحدهما، هما اللذان يستجيبان للخبرة بتغيير سلوكهما ،وقد أدى اكتشاف “روبرت ادر” إلى التوصل للطرق المختلفة، التي يتواصل بها الجهاز المناعي مع الجهاز العصبي، تلك المسارات البيولوجية التي تجعل المخ والعواطف والجسد في اتصال دائم، بل في تعاون كامل ووثيق.
ولعل هذا ما جعل عالم الأعصاب الفرنسي “فرانشيسكو فاريلا” بكلية البوليتكنك بباريس يعرف الجهاز المناعي على أنه هو (عقل الجسد) وإنه” هو إحساس الجسد بذاته، وما يخصه بداخله وما لا يخصه”، فخلايا المناعة تسري في الدورة الدموية إلى جميع أعضاء الجسم، وتتصل عمليا بكل خلاياه ، و تهاجم الخلايا التي لا تتعرف عليها، و هذا الهجوم المناعي للخلايا أما أن يدافع عن الجسم ضد هذه الفيروسات والبكتيريا والسرطانات وأما أن يخلق مرض مناعة ذاتية كأمراض الحساسية و مرض الذئبة، وذلك في حاله فشل التعرف على بعض خلايا الجسم ذاته.
و العجيب في الأمر أن العالم “روبرت ادر” قد توصل إلى ما سبق من اكتشافات بالمصادفة، أثناء إجراء تجاربه في معامل كليه الطب والأسنان بجامعة” روشستر” بالولايات المتحدة الأمريكية عام ،1974 حيث أعاد رسم خريطة الجسم البيولوجية بناءا على ما توصل إليه، حيث كان علماء التشريح والطب والبيولوجي يعتقدون بأن المخ وجميع تفرعاته في الجسم والجهاز المناعي هما كيانان منفصلان لا يؤثر أي منهما في الأخر .
ثالثا: تأثير العواطف في الجهاز المناعي
لقد وجد فريق من الباحثين أن المواد الحاملة للرسائل العصبية، التي تعمل بشكل واسع في كل من المخ والجهاز المناعي، تكون أكثر فاعليه في المناطق العصبية التي تنظم الانفعالات.
وجاء العالم “ديفيد فلتين” أحد زملاء “آدر” بأقوى الأدلة على وجود سبيل فيزيقي مباشر، يسمح للعواطف بالتأثير في الجهاز المناعي ، فقد لاحظ أن للعواطف تأثيرا قويا في الجهاز العصبي الذاتي، ينظم كل شيء بدءا من مقدار إفراز الأنسولين، حتى مستويات ضغط الدم.
ثم اكتشف “فلتن” مع زوجته” سوزان” وبعض الزملاء نقطه التقاء، يتحدث عنها الجهاز العصبي الذاتي، حديثا مباشرا مع الخلايا الليمفاوية، والخلايا البلعمية، وهي من خلايا جهاز المناعة، ووجدوا في دراساتهم بالميكروسكوب الإلكتروني، نقاط اشتباك تتلاصق فيها نهايات أعصاب الجهاز اللاإرادي مباشره بهذه الخلايا المناعية، و تسمح نقاط الاتصال الفيزيقية هذه للخلايا العصبية بأن تطلق رسائل عصبيه لتنظيم خلايا المناعة، والواقع أنها تعطي إشارة ذهابا وإيابا .
وهذه النتائج تعد نتائج ثورية، حيث لم يسبق أن توقع أحد أن تكون الخلايا المناعية هدف للرسائل الآتية من الأعصاب ، ومضى “فلتين” إلى أبعد من ذلك، بأن اختبر أهميه نهايات الأعصاب في عمل الجهاز المناعي ، وأجرى تجارب على حيوانات، أزال بعض أعصابها من العقد الليمفاوية والطحال، حيث تخزن الخلايا العصبية أو تُصنع، ثم استخدم الفيروسات لإصابة الجهاز المناعي عندها، فكانت النتيجة انخفاض هائل في الاستجابة المناعية للفيروس، فاستنتج أن لهذه المواد اثر شديد في الخلايا المناعية ،.
ونستنتج مما سبق أن الجهاز المناعي لا يرتبط بالجهاز العصبي فقط، ولكن الجهاز العصبي وجوده أساسي لعمل الجهاز المناعي الصحيح في الجسم.
وهناك مسار أخر يربط العواطف بالجهاز المناعي ،من خلال أثر الهرمونات التي تفرز تحت ضغط التوتر، مثل (هرمونات الكاتيكولامين) المعروف باسم الأدرينالين، وغيره من الهرمونات، التي تفرز في أثناء استثارة التوتر، ولكل هذه المواد أثر شديد في الخلايا المناعية .
فعلى الرغم من تعقد العلاقات، فإن الأثر الرئيسي هو عندما تزداد نسبه هذه الهرمونات داخل الجسم، فإن عمل الخلايا المناعية يكون أبطأ، فالتوتر يقلل المقاومة المناعية، ومن المفترض أن يحدث هذا التقليل للاحتفاظ بالطاقة، لأن الأولوية تكون للحالات الطارئة الأكثر مباشرة والأهم للبقاء ، أما إذا ظل التوتر مستديما ومكثف وقويا فقد يصبح الأثر طويل المدى ، و يؤدي هذا إلى زيادة أعراض الأمراض، وقلة استجابة الجهاز المناعي و أجهزة الجسم عامة للعلاج.
رابعا: خطورة الهموم العاطفية على الجهاز المناعي
إذا كانت الهموم العاطفية المزمنة تسمم الحياة ، وتضعف من عمل الجهاز المناعي، و تتخذ أشكالا مختلفة، ويترتب عليها عدد من الانفعالات المسمومة مثل (الغضب والقلق والاكتئاب) ، فإن العواطف الإيجابية من جهة أخرى تساعد على الشفاء ، فالضحك أو السعادة يمكنهما تغيير مجرى أخطر الأمراض .
وقد يرى البعض أن التأثير الذي تحدثه العواطف بسيط، ولكن الدراسات التي أجريت على أعداد كبيرة من الناس، قد أثبتت عكس ذلك، وهو أن لهذه العواطف والأحاسيس الحقيقية قدر لا يستهان به من التأثير الإيجابي في مسار الأمراض من حيث الحدة والانتشار ، وأكبر دليل على ذلك ما يحدث من مجرد تصريحات وكالات الأنباء حول انتشار أي مرض، وذلك على حسب نوعية هذه التصريحات، بغض النظر عن الأهداف الحقيقية من وراء هذه التصريحات.
وهناك عامل مهم ومؤثر في العلاج، هو التفاؤل والأمل ، هذا العامل الذي خلقه الله لدينا ليكون مساعدا لنا في الأمراض والأزمات عامة ، بما له من مميزات، فقد تمت عملية تقييم لدرجة التفاؤل والتشاؤم على (١٢٢)مريضا أصيبوا بأول أزمة قلبية، توفى 21 مريضا بعد ٨ سنوات من بين ٢٥ مريضا كانوا أكثر المجموعة تشاؤما ، بينما توفى ٦ فقط من بين ٢٥ مريضا كانوا أكثر المرضى تفاؤلاً ،وثبت أن استشرافهم الذهني كان أفضل مؤشرا على بقائهم على قيد الحياة ، أكثر من عوامل الخطورة الطبية التي تسببها الأزمة القلبية الأولى للقلب ، وانسداد الشرايين و مستوى الكولسترول أو ضغط الدم.
و لقد اظهر بحث آخر: أن من أجرى عمليه تحويل شريان: وكانوا أكثر تفاؤلا شافوا بسرعة أكبر، ومضاعفات أقل، في أثناء و بعد الجراحة، مقارنة بالمرضى الأكثر تشاؤم،
فالأمل أيضا لهو أدوار شفائية، حيث ثبت أن: من ينظرون للحياة بقدر كبير من الأمل، أفضل ممن يتحملون الشدائد القاصية، بما فيها المشاكل الطبية الصعبة، فقد أثبتت دراسة أجريت على عدد من المصابين بالشلل، الذين أصيبوا في الحبل ألشوكي، أن من تمسكوا بالأمل أكثر من غيرهم من حيث تمكنهم من تحقيق استعداد جسدي للحركة مقارنه بغيرهم الذين كانوا أقل أملا ، فالأمل يؤثر تأثيرا كبيرا في حالات الشلل الناتج عن إصابة النخاع ألشوكي خاصة إن هذه الحالات تقتدي مثلا أن يظل الشاب الذي أصيب بالشلل وهو في العشرينات على قيد الحياة ، وان يظل هكذا بقية حياته، وكيفيه استجابته العاطفية لهذه المؤثرات هي التي تحدد طريقة تعامله مع المرض وتجعله يستمر في الحياة و مقدار ا يبذله من جهود اجتماعيه وجسديه ،وكذلك لاحظنا كثيرا الأمل والتفاؤل الذي تزرعه الحكومات في شعوبها، أثناء مواجهه هذه الجائحة، واثر ذلك على مدي مقاومه الناس لها بالإيجاب أو السلب.









إنضم إلينا وشارك!
التعليقات