كيف كان أخناتون ملكاً متمرداً على نفوذ الكهنة؟

لم يعرف تاريخ مصر والعالم رجلاً جدلياً مثلما عرف أخناتون أو(أمنحتب الربع)، ذلك الرجل الذي أحدث ثورة شاملة على جميع الأصعدة، حيث كان محط اختلاف جسيم عن أي نمط عرفته مصر القديمة، بداية من تكوينه الجسدي الغريب  والذي أصرعلى إظهاره بكل شفافية، ثم إطاحته بعبادات أجداده، وأتى بثورة دينية كان لها صداها في تاريخ الأديان، وهي فكرة التوحيد، تلك الفكرة التي تم ربطها بشكل مباشر بالتوحيد السماوي، حيث كان الربط حاضرا بين اخناتون وأنبياء العهد القديم، باعتباره أحد المبشرين بالوحدانية، وكذلك علاقاته المريبة سواء بأمه “تي” أو زوجته نفرتيتي، أو ذلك الشخص الغامض المدعو “سمنخ كارع”، والذي مازلنا لا نعرف ماهيته حتى اليوم.

صفات أخناتون الشكلية

تميز أخناتون بتركيبة جسدٍ غريبة تظهر عبر الملامح التالية:

  • كان وجهه هزيلاً وطويلاً، وذقنه متدلية، وفكهُ بارزاً، وجمجمتهُ مستطيلة.
  • كانت عيناه مسحوبتين وكبيرتين، وكانت شفاهه مكتنزة غليظة، وأذناهُ ممدودتين.
  • كان رأس الفرعون أخناتون كبيرًا، وكان عنقهُ طويلاً، وكان كتفاه ضيقين منحدرين، وكان لهُ بطنٌ كبيرة مترهلة، وكانت ساقاه نحيفتين طويلتين، على عكس أفخاذه التي كانت عريضة وممتلئة، وأردافه التي كانت ضخمة.
  •  لم يظهر أخناتون في آثار والدهِ كثيرًا على عكس أشقائهِ وشقيقاتهِ، وكان السبب في ذلك إبعادهُ عمدًا بسبب الاختلاف الخلقي الذي تميز به، والذي جعلهُ “شنيع المنظر” بالنسبة لهم.

ما لاتعرفه عن أخناتون

يُعد أخناتون ملكاً فرعونياً مصرياً ينتمى للأسرة الـ 18، إمتدت سنوات حكمه مابين عام 1353 – 1336 ق ب، والإسم الحقيقى له هو أمنحوتب الرابع، تميزت فترة حكمه القصيرة بالإضطرابات فى مختلف النواحى، ولكن لايمكن إنكار إزدهارها بالنماذج المعمارية الفريدة حتى لُقبت حقبته بإسم فترة العمارنة.

ويعتبر من أحد الفراعنة المصريين الذين فرضوا أنفسهم وأفكارهم بقوة على مصر القديمة، ، ومن أبرز أفكاره تخليه عن فكرة تعدد الآلهة، فقد كان يؤمن بوجود إله واحد إسمه آتون، ولذلك كان متمردأً على الكهنة المصريون الذين كانوا يديرون كل شىء بالبلاد، ويتحكمون فى مفاصل الدولة، لذا وصفه البعض بأنه ملك مهرطق ومتهور وغير ناضج؛ لأنه اهتم بتطبيق دين جديد متجاهلًا الجذور العميقة للدين السابق ومتحديًا التجار وأغنياء الدولة والكهنة المتعصبين لدين آمون.

 

حياة أخناتون الشخصية

تزوج أخناتون من نفرتيتي  وجعلها ملكته و”سيدة سعادته” على حد تعبيره، وقد حظيت الملكة نفرتيتى  بحب وإخلاص الملك أمنحوتب الرابع  ” أخناتون “، وعبر الملك عن حبه لها بعبارة كلها حب فقال ( الحب يملأ قلبى للملكة وأطفالها، أمنح آيا أتون عمراً طويلاً للملكة نڤرتيتى)، كماعبرت الملكة نڤرتيتى له عن حبها عندما قالت ( امنح ابنك الذى يحبك الحياة والحقيقة، سيد الأرضين أخناتون)، وبالرغم من كل هذا الحب الذى حظيت به الملكة نفرتيتي إلا أنه تزوج من أربع نساء أخريات حتى ينجب ذكور . 

أخناتون أول من آمن بالتوحيد

يُعَدّ الملك أخناتون أوّلَ من وضعَ ديناً حديثاً “ديانة التوحيد”، فقد وحد الطقوسَ نحو جهةٍ واحدةٍ حيث أسَّسَ في فترةِ حكمِه عبادةً تعتمد على تقديسِ الإله (آتون)، والذي كانَ يُصوَّرُ على أنّه قرصُ الشمسِ، فقد ظهرَت في بعضِ الآثارِ القديمةِ نقوشٌ تُصوّرُ الإله آتون على أنّه قرصُ شمسٍ في السماءِ يمدّ أشعّةً منه نحو الأسفلِ لتصلَ إلى العائلةَ الملكيّةَ، وقد كرّسَ أخناتون جهودَه على العبادةِ الجديدةِ، فبنى العديد من المعابدِ الجديدةِ المُخصَّصةِ لعبادةِ الإلهِ (آتون)، مثل المعابدِ في الكرنك وتلّ العمارنةِ، كما قُدِّمت أعدادٌ كبيرةٌ من طاولاتِ القرابينِ للاحتفال بالإله آتون، ولم يكتفِ بتقديسِ إلهه الجديدِ، بل وبخ ودنس الآثارِ التي تحملُ صورةَ، أو اسمَ الإلهِ السابقِ (آمون) .

انشغل الملك إخناتون بفلسفته وإصلاحاته الدينية  والفن والأدب وانصرف عن السياسة الخارجية وإدارة الإمبراطورية الممتدة حتي أعالي الفرات والنوبة  جنوباً، فانفصل الجزء الآسيوي منها.

وفي العام الرابع من الحكم اختار إخناتون موقعاً لعاصمته الجديدة للابتعاد عن طيبة مركز عبادة أمون رع وكهنتها الذين قاوموا دينه الجديد بشدة. وشرع في العام التالي في بناء معبدٍ جديدٍ للإله آتون وقصراٍ كبيرٍ تحيطهما مدينة كبيرة، وأطلق عليها اسم أخيتاتون أي “أفق آتون” ونقل مركز الحكم إليها، وموقعها الحالى هو تل العمارنة . لا توجد من تلك المدينة حالياً إلا بقايا من الآثار ولكنها كانت على مساحة كبيرة وكانت تتميز بالتخطيط العمراني . توفى إخناتون وھو لا يزال شابا فى الثانیة والثلاثین من عمره، و انتهى معه دينه وعقیدته ديانة التوحيد” آتون ” .

إنجازات أخناتون

كان ملكًا فرعونيًا مهتمًا بالشؤون الداخلية أكثر من اهتمامه بالسياسة والأمور الخارجية؛ حيثُ برز اهتمامه بالفنون كالرسم والنقش والكتابة المصرية والهندسة المعمارية إلى جانب الإصلاح الديني، ولا يُمكن إنكار أن هذا الفعل تسبب في إضعاف الدولة.

وتميزت فترة حكمه بحنو الملك وعطفه ولطافته، ولكنه كان شديدًا مع كهنة معبد آمون حتى أنه أرسل أشخاصًا لمحو الصور والنصوص وتدمير الآثار العائدة إلى آمون، كما أمر بتشويه صورة الصقر الذي يرمز للآلهة “نخبت”.

نقل أخناتون العاصمة من طيبة إلى مدينة أخرى كانت تسمى “أخت أتون بالمنيا” أو “أخيتاتون” والمعروفة حاليًا بـاسم “تل العمارنة”؛ وانطلق بمشروعه في الإصلاح الديني من هذه المدينة، وبدأ بتحويل أساليب العبادة والشعائر الدينية من آمون وسائر الآلهة الأخرى إلى آتون، كما أمر بتشييد العديد من المعابد الضخمة في طيبة بجوار معابد آمون، وأولى اهتمامًا كبيرًا بشرح عقيدة التوحيد وتبجيل آتون في كل المناسبات.

انتهج الملك الأسلوب الدبلوماسي في علاقاته مع أمراء كنعان وفلسطين وسورية، واتخذ أسلوب التراسل والحوار، وانصرف عن الاهتمام بالجيش، وابتعد عن سياسة توسيع حدود الدولة التي انتهجها أسلافه؛ لأنه كان يكره أن يرسل المصريين ليقاتلوا ويلقوا حتفهم بهدف كسب قضيةٍ غير عادلة أو احتلال مدينةٍ ليس لهم حقٌّ فيها، مما تسبب في إضعاف دور القادة العسكريين وانقلاب معظمهم ضد أخناتون في أواخر سنوات حكمه.

كان اهتمامه بالفنون ملفتًا وغريبًا؛ فجميع تماثيل العائلة المالكة التي تدل على عهده كانت تمتلك رؤوسا أكبر مقارنةً بسابقاتها، وكانت تتسم بالملامح الخنثوية ذات الشفاه الكبيرة والعيون مشقوقة الزاوية والأنوف الطويلة، بالإضافة إلى الأجساد النحيلة ذات الخصور الضيقة والأفخاذ والأرداف الواضحة؛ لدرجة أن بعض التماثيل ما تزال تشكل موضع جدلٍ حتى الآن فيما إذا كانت عائدةً لنفرتيتي أم أخناتون، كما يعتقد بعض العلماء أن الغاية من هذا التشابه الشكلي هو الدلالة على تجلي شخص الملك والملكة سويًا في التمثال الواحد كنوع من الترابط الحميم.

نهاية مأساوية لحكمه

وقد تعرض نفوذ أخناتون لمؤامرة كبيرة أطرافها من الداخل: كهنة آمون في طيبة وقائد الجيش حورمحب من جهة, وأمراء كنعان وأمورو من جهة أخرى, قد تم تدبيرها للإطاحة بحكم العاهل الذي كان منصرفاً إِلى الإِصلاح الديني, من دون أن يكون محيطاً بما كان يجري حوله، فقد اصطدمت السياسة الدينية التي قادها الملك بمعارضة قوية تزعمها كهنة المعابد الذين كانوا أكثر المتضررين من توحيد العبادة، وكذلك النبلاء الذين هدَّدت الإِصلاحات امتيازاتهم، والضباط والقادة العسكريون الذين تقلص نفوذهم في الدولة لقلة اهتمام الملك بالجيش ولعزوفه عن متابعة سياسة أسلافه التوسعية، فأصاب الوهن القدرات العسكرية للدولة وتدهورت هيبتها المعهودة داخلياً وخارجياً، وتوغلت دول الأناضول القوية في سورية.

وكان لانصراف أخناتون عن قيادة جيوشه أو تحريكها بطريقة فعالة من أجل المحافظة على مواقع مصر في آسيا الغربية، والاكتفاء بالعمل على نشر عقيدته الجديدة عواقب وخيمة كلّفت البلاد ثمناً باهظاً، إِضافة إِلى انهيار العلاقات التجارية لانعدام الأمن والاستقرار، وانتهت أيام الملك في خضم أزمة مأساوية، وآلت الأمور بادىء الأمر إِلى وريثه سمنخ كارع الذي عمل على إِعادة الاتصال بمنفيس وطيبة، وأعاد مصر إِلى التعددية الدينية.

ودفن أخناتون في عاصمته أخيت آتون، وقد تعرّف علماء الآثار على قبره، ولكنهم لم يعثروا إِلاّ على حطام ناووسه الملكي الذي رمم ونقل إِلى متحف القاهرة، أما مومياؤه التي لم يعثر عليها فلا يعرف أحد ماذا حلّ بها، وقد يكون أصابها ما أصاب أخيت آتون (تل العمارنة) من التدمير على يدي القائد حورمحب الذي كان في مقدمة من عمل على إِنهاء عصر العمارنة وعلى الإِطاحة بحكم أخناتون، وقد عثر في وادي الملوك على مومياء يظن أنها مومياؤه ولكن لا توجد دلائل قاطعة على ذلك. وبعد سمنخ كارع الذي حكم مدة قصيرة اعتلى العرش توت عنخ آتون الذي اضطر إِلى تبديل اسمه إِلى توت عنخ آمون مؤذناً بإِعادة الاحترام لآمون ولكهنة طيبة الأقوياء، وهكذا انهارت هذه المحاولة المبكرة لقلب الوجدان الديني التقليدي في مصر القديمة ولإِحلال وحدانية الإِله محل التعددية.

الكاتب : جيهان السمباطي
اخبرنا شيئا عن نفسك.

إنضم إلينا وشارك!

إنضم إلينا الان
انضم إلى مجتمعنا. قم بتوسيع معرفتك وشارك أفكارك ومقالاتك!

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن