كيف تقرأ في الفلسفة الإسلامية؟

كيف تقرأ في الفلسفة الإسلامية؟

بدأنا في المقال السابق بـ كيف تقرأ في الفلسفة؟ وكان ذلك بشكل عام، أما هذه الوقفة سنخصصها للفلسفة الإسلامية بشكل خاص( يمكنكم الدخول على صفحتي فى كيفيات لقراءة مقالاتي السابقة).

لم ينكر أحدٌ دور الفلسفة الإسلامية، وثرائها؛ وإن كان لبعض الآراء تذهب إلى عدم وجود فلسفة إسلامية؛ ولكن هذا لن يشغلنا الآن على موضوعنا الرئيسي حول: كيفية قراءة الفلسفة الإسلامية وأين؟ وأهم المصادر والكتب المفيدة في هذا الصدد للقارىء المهتم، أو الذي يبدأ خطواته الأولى في التعرف على ملامح الفلسفة الإسلامية.

إطلالة عامة قبل الوصفة

قد يكون للفلسفة الإسلامية- إن وافقنا على التعبير- خصوصية معينة ألا وهي ارتباطها الوثيق بقضية الإيمان من المنظور الإسلامي؛ وما يُعرف اصطلاحياً باللاهوت أو الثيولوجي، ويُعرف في الأدبيات الإسلامية بعلم الكلام( العقائد)، ومن ثم يحدث الخلط في أوقات كثيرة بين الجانب الفلسفي واللاهوتي، وتعقد الأمر أكثر مع بزوغ التصوف؛ فتم طرح سؤال – نراه مشروعاً- هل الفلسفة الإسلامية هي علم الكلام؟ هل هي منوطٌ بها العقائد؟ هل الفلسفة الإسلامية هي التصوف؟ وهكذا؛ ولا ندعي في الوقت الحالي أن نقدم إجاباتٍ شافية للقارىء الكريم؛ بقدر ما نحاول تحفيزه على المعرفة، ورجم المياه الراكده بأكبر عددٍ ممكن من الأحجار؛ كي تتحرك وتتخلص من آسانتها.

ظهرت الفلسفة الإسلامية من خلال حركة الواقع والمجتمع في التاريخ الإسلامي الوسيط، هي وليدة أحداث وتطورات كبرى بدأت من السياسة: حيث الصراع الذي نشب مبكراً بعد وفاة النبي- صلى الله عليه وسلم- حول قضية الخلافة؛ ليتطور الموضوع أكثر في عصر الفتنة الكبرى( عصر الخليفة الثالث عثمان بن عفان)؛ ثم عصر الخليفة الرابع علي بن أبي طالب وحروبه في الجمل وصفين والنهروان.

كانت البداية من فكرة القدر، وحرية الإنسان وإرادته؛ وظهرت مقولات أولية في العصر الأموي؛ راح ضحيتها عمرو المقصوص، وجهم بن صفوان، والجعد بن درهم؛ ونشب نزاعاً طويلاً حول هل الإنسان مخير أم مسير؟ وحول فكرة القدر والإرادة، وحول الإرجاء، وارتكاب الكبيرة...إلخ.

تبلور الفكر الفلسفي أكثر مع المعتزلة وأخذ أبعاداً أخرى أكثر عمقاً؛ وكان هناك الدخول في منعطف جديد حول العلاقة بين العقل والنقل، والكلام الإلهي والإنساني( اللغة كاصطلاح، أم اللغة كقديم وأبدي...إلخ)، ذورة نضج الفلسفة الإسلامية بدأت مع الكندي في العصر العباسي الأول، ثم تعافب الفارابي وابن سينا، وفي القرون المتأخرة كان ابن رشد الذي اُعتبر هو ختام الفلاسفة؛ لما آلت إليه أحوال العالم الإسلامي من انحطاط في القرنين الخامس والسادس الهجريين؛ بعد تجذر تيارات النقل من أشاعرة وحشوية وغيرهم عصرئذٍ.

ولكن لا نوافق كليةً على اعتبار ابن رشد هو آخر فيلسوف؛ في القرن الحادي عشر الهجري ظهر في العصر الصفوي؛ فيلسوف ومتصوف إيراني هو: صدر الدين الشيرازي أو المُلا صدرا( صدر المتآلهين)؛ فتح أفقاً جديداً للفلسفة التي سُدتْ مسامها.

 

الظروف العامة التي نشأت فيها الفلسفة الإسلامية

لا يمكن فهم الفلسفة الإسلامية وتطورها، ومن ثم أفولها؛ بدون فهم حركة التاريخ الإسلامي، وتناقضات المجتمع الإسلامي، وهذا لن يتم إلا بمعرفة السياق العام السائد، وهو ما سنطرحه سريعاً في النقاط التالية:

الاقتصاد السياسي للإسلام الوسيط( خطوط عامة جداً)

لم يكن الاقتصاد في العصور الإسلامية بدعاُ من الاقتصاديات القديمة في القرون الوسطى والقديمة، فهو اقتصاد ريعي يمثل خراج الأرض( ريعها) أساساً صلباً؛ وكانت الأرض مدار الصراع الاجتماعي- السياسي الناشب أو الذي نشب منذ قرون الإسلام الأولى(محمود إسماعيل: سيسيولوجيا الفكر الإسلامي).  لذلك كان المجتمع الإسلامي مجتمع هرمي/ رأسي( طبقي)، لأن الثروات يتم تكديسها في يد أقلية معينة؛ هذا التناقض كان حافزاً للتفلسف.

كانت الزراعة هي العماد الأساس، والمنتجات الزراعية كانت تمثل النسبة الأكبر؛ وذلك لإطعام المدن والحواضر؛ فضلاً عن الخراج( الضريبة التي تُفرض على الأرض الزراعة)، تمثل القطاع الأكبر في موازنة الدولة الإسلامية؛ ولم تكن الخراج وحدها الضريبة التي يتم فرضها؛ فهناك زيادات عُرفت بالمكوس؛ وهي مخالفة لمبادىء الشرع، كما كان يتم المبالغة كثيراً في مقدار الخراج؛ لدرجة أن الفلاحين كان يتركون الأرض.

كانت هناك صناعات حرفية متطورة في العالم الإسلامي، مثل الزجاج والخزف والغزل والنسيج، والصابون والورق، والمواد الغذائية...إلخ، وكان أدوات الإنتاج تتطور بفعل التقدم في العلوم العملية كعلم الحيل( الميكانيكا)، وعلوم الكيمياء والطبيعة والفلك...إلخ. كان الحرفيون( الصناع) ينضوون في طواائف( جمع طائفة)، مثل طائفة النجارين- الحدادين- العجانين....إلخ، ولكن أيضاً كان أصحاب الحرف والصنائع يتعرضون لكثرة الضرائب والمغانم والمصادرات.

ثم كانت التجارة تمثل القطاع الثالث، وكانت التجارة البعيدة( الكارمية) هي المصدر الأساس لمراكمة الثروات( الرأسمالية التجارية) وكانت العالم الإسلامي وسيط بين الغرب الأوروبي والشرق الأقصى في تجارة ذات أهمية استراتيجية للغرب الأوروبي وهي تجارة البهارات والتوابل، وكان هناك صادرات أخرى للعالم الأروربي، كما كان العالم الإسلامي يستورد بعض حاجياته من أروربا.

هذه الملامح التي رسمناها سريعاً وبشكل مبتسر هي مفاتيح لفهم انبثاق الفلسفة؛ من خلال فهم الوضع الاقتصادي وكيف سيؤثر على الوضع السياسي؟ الذي نتناوله حالا.

 

الظروف السياسية

في العلوم السياسية معروف أن الاقتصاد بمثابة القاطرة التي تقود أي مجتمع؛ بما فيها السياسة؛ ارتكز نظام الحكم الخلافي في الإسلام على وضعية طريقة إنتاج الثروات، ومن ثم طريقة توزيعها، ومن هنا كانت المركزية السياسية سمة أساسية حتى تفتت العالم الإسلامي إلى إقطاعيات وممالك مستقلة في العصر العباسي الثاني.

لقد كان للخلافات والصراعات السياسية عميق الأثر في طرح الأسئلة، ومحاولة الإجابة عليها منذ السقيفة عام 11هـ، وهو ما ساهم في ظهور الفرق سواء الكلامية أو الفقهية بكل الألوان والأشكال والتصورات؛ حتى صار هناك ما يمكن أن نسميه بأدبيات الفرق والمذاهب( أي الكتابات والرؤى التي تناولت تلك الظواهر) وهي متماهية مع الفلسفة وعلم الكلام تماهياً ليس بالهين.

إن الانقسامات والصراعات السياسية والحروب منذ الفتنة الكبرى في ربطها مع الوضع الاقتصادي والاجتماعي؛ هي الوعاء الأكبر الذي استقت منه الفلسفة الإسلامية جذورها وتفاعلها مع الواقع المتغير والديناميكي في العالم الإسلامي.

 

السياق الاجتماعي

كان المجتمع:/ المجتمعات الإسلامية ككل المجتمعات القديمة والوسيطة، مجتمعاً طبقياً تناحرياً؛ حيث جذر  هذه الوضعية الطبقية ترجع إلى طريقة إنتاج الثروة وتوزيعها( الاقتصاد السياسي)، ثم المؤثرات السياسية، والفرق والمذاهب والأعراق.  هناك صراع رأسي داخل بنية المجتمعات الإسلامية أي بين الطبقة الحاكمة( الخلافة ومعها بيروقراطيتها)، والطبقات المظلومة من فلاحين وحرفيين وتجار صغار.

وهناك وضع أفقي مثل الصراع بين عرب الشمال والجنوب، ثم العرب والفرس، ثم الفرس والترك....إلخ مما أدى إلى بروز ظاهرة الشعوبية التي لاقت اهتمام الجاحظ مثلا كواحد من علماء القرن الرابع.

أخيراً عندما نلضم كل ما سبق معاً؛ نستطيع أنْ نفهم وضعية الفلسفة الإسلامية ومنطلقاتها؛ ولكن ما هي أبرز المصادر والكتب التي تساعدك في السير في طريق معرفة الفلسفة الإسلامية.

 

كيف تقرأ ؟

تبدأ قراءة الفلسفة  الإسلامية من خلال:-

1- ثلاثية أحمد أمين: فجر وضحى وظهر الإسلام

ثلاثية أحمد أمين تكمن أهميتها الأساسية في رصدها لحركة المجتمع الإسلامي،  من خلال الظواهرالفكرية، وكان أمين يطرح ذلك من خلال العرض التاريخي، ودراسة الوضع السياسي والاجتماعي، ويعرج قليلاً  على الاقتصادي.

2- النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية.

وهو عمل ضخم يقع في ثلاثة مجلدات للمفكر اللبناني حسين مروة؛ ومروة يتناول الفلسفة من منظور استخدامه لتقنيات المادية الجدلية والتاريخية؛ وهو من المصادر الحديثة المهمة في تناول الفلسفة الإسلامية وانبثاقها وصراعات مدارسها وتياراتها، كما كتب مروة مقدمة نظرية طويلة شديدة الأهمية، تقارب الـ مائتي صفحة. وقام بعمل( فَرشة) تاريخية مهمة تجعل القارىء يدرك بشكل ممتاز العلاقة بين الفلسفة وظروفها الموضوعية.

3- تاريخ الفكر في العالم الإسلامي.

يقع في مجلدات ثلاث، وهو  للباحث كروث إيرنانديث، وصدر  في  2009م مترجماً، عن المركز القومي للترجمة في مصر. وهو من المراجع ذات القيمة العالية رغم ضخامته النسبية.

4- الفرق الكلامية الإسلامية.

دراسة وقراءة الفلسفة تتطلب معرفة الفرق الإسلامية، وكتاب الفرق الإسلامية للدكتور علي عبد الفتاح المغربي، أستاذ الفلسفة الإسلامية بآدب عين شمس يفي بهذا الغرض بشكل جيد، ويمكن استشارته مع كتاب الشيخ محمد أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية.

5- تاريخ الفلسفة الإسلامية.

للمستشرق المعروف هنري كوربان، يُعتبر من المصادر المفيدة جداً بالنسبة للقارىء الذي يريد أن يشق طريقه ناحية الفلسفة الإسلامية.

هذه الكتب على سبيل المثال وليس الحصر، وفي النهاية نوصي بعد الإطلاع على الكتب السابقة؛ العودة إلى المصادر الأصلية وأمهات الكتب  ومنها  على سبيل المثال:-

كتب الفارابي وابن سينا وابن رشد، فضلا عن كتب الفرق مثل: الفرق بين الفرق للبغدادي، وفرق الشيعة للنوبختي، والملل والنحل للشهرستاني، مع كتب علم الكلام والتصوف.

 

ممدوح مكرم

باحث في العلوم السياسية والتاريخ.

 

استمتعت بهذا المقال؟ ابق على اطلاع من خلال الانضمام إلى النشرة الإخبارية لدينا!

التعليقات

يجب أن تكون مسجلا للدخول لتكتب تعليق.

مقالات ذات صلة
عن المؤلف