فتح القسطنطينية

كيف تحققت نبؤه الرسول عليه الصلاة والسلام في فتح القسطنطينية ؟

مقدمه
«حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، وسمعته أنا من عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، قال حدثنا زيد بن الحباب، قال حدثني الوليد بن المغيرة المعافري، قال حدثني عبد الله بن بشر الخثعمي، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ يقول: لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش»

– نبذه تاريخيه عن مدينه القسطنطينية :

تأسست المدينة عام ٦٥٨ ق.م ، و كانت قرية للصيادين تعرف باسم بيزنطة، وفي عام ٣٣٥ للميلاد جعلها الإمبراطور قسطنطين الأول عاصمة الإمبراطورية البيزنطية و أصبح يطلق عليها القسطنطينية نسبة للإمبراطور قسطنطين الأول مؤسس الإمبراطورية.

أصبحت المدينة مركزا للمسيحية الشرقية ومركز حضاري عالمي، و أكبر وأغنى مدينة في أوروبا، وكان لها دور أساسي في نهوض المسيحية خلال عصور الرومان والبيزنطيين، إلى جانب كونها مركز ومقر لبطريرك القسطنطينية المسكوني.

اشتهرت المدينة أيضا بالروائع المعمارية، مثل كاتدرائية آيا صوفيا ، إلى جانب القصر الإمبراطوري المقدس حيث عاش الأباطرة، وبرج غلاطة، والبوابة الذهبية، فضلا عن القصور الأرستقراطية الغنية والساحات العامة و غيرها من الآثار الادبيه و الفنيه المتعدده.

وقد اشتهرت المدينه بدفاعاتها الضخمة والمعقدة، وقد حاول كثيرون محاصرة المدينة في مناسبات عديدة من قبل شعوب مختلفه ، أثبتت دفاعات القسطنطينية أنها غير معرضة للخطر منذ ما يقرب من تسعمائة سنة قبل احتلال المدينة من قبل القوات الصليبية في ١٢٠٤ خلال الحملة الصليبية الرابعة، لتصبح عاصمة الإمبراطورية اللاتينية، ثم استرجاع المدينة مرة أخرى في ١٢٦١ من قبل الإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثامن باليولوج، وليتم احتلالها للمرة الثانية والأخيرة عام ١٤٥٣ عندما تم فتحها على يد السلطان العثماني محمد الثاني لتتحول الي اسلامبول او الأستانه عاصمة السلطنة العثمانيه.

محاولات المسلمين السابقه لفتح القسطنطينية و تحقيق البشرى النبويه :

 أولى المحاولات الإسلامية لفتح القسطنطينية :

في سنة ٤٩ ه، الموافقة لسنة ٦٦٩ م، وذلك في عهد معاوية بن أبي سفيان، إذ أرسل حملة عسكرية برية ضخمة لحصار المدينة بقيادة فضالة بن عبيد الله الأنصاري، وكان معاوية يمده بالإمدادات والمؤن، ونظرا لأهمية الحملة أرسل معاوية تعزيزات بأبنه يزيد على رأس قوة إضافية ، مما أنعش آمال المسلمين بمواصلة الحصار.
واصطدم الفريقان الإسلامي والرومي في معارك تحت أسوار المدينة، إلا أن المسلمين لم يحرزوا انتصارات حاسمة، فاضطروا إلى فك الحصار والعودة إلى دمشق.

 

– بدأ الحصار الثاني للقسطنطينية :

في سنة ٥٤ ه الموافقة لسنة ٦٧٤م، استدعى الأمر تعزيز القوة البحرية الإسلامية في مياهها، وانضم إليها أسطول إسلامي آخر بقيادة جنادة بن أبي أمية الأزدي بعد أن فتح جزيرة أرواد القريبة منها ، حيث اتخذها المسلمون قاعدة انطلاق.

وتخلل الحصار مناوشات بين الأسطولين الإسلامي والبيزنطي، في حين اشتبكت القوات البرية الإسلامية الموجوده حول العاصمة، مع الجنود الروم المرابطين على أسوارها، بالقذائف و السهام.

استمر هذا الوضع قائما طيلة سبع سنوات حتى سنة 60ه الموافقة لسنة 680م اقتصرت خلالها العمليات العسكرية على فترتي الربيع والصيف لصعوبة القتال في الشتاء.
وصمدت المدينة أمام ذلك الحصار، فلم يحرز المسلمون انتصارات حاسمة بفعل أن جهودهم تركزت على محاصرة المدينة من جهة البحر.

أما الحصار البري فكان مزعزعا حيث بقيت الطرق البرية وطريق البحر الأسود مفتوحة أمام البيزنطيين مما جعل منها متنفسا وطريقا للإمدادات والمؤن، و أمام هذا الوضع، أمر الخليفة معاوية بن أبي سفيان الجيش الضخم أن يعود أدراجه إلى دمشق، وأبرم هدنة طويلة مع الروم استمرت ثلاثين سنة.

خمدت المحاولات الإسلامية لفتح القسطنطينية بضعة قرون منذ أن تقسمت الدولة العباسية و حدثت خلافات بين السلاطين والأمراء المسلمين ، ونتيجة للنكبات التي تعرض لها المشرق الإسلامي جراء الحملات الصليبية والغزو المغولي.

 

عوده محاولات الفتح في بداية العهد العثماني :

ففي سنة 793ه الموافقة لسنة 1391م، ضرب السلطان بايزيد الأول حصارا على القسطنطينية وأجبر الإمبراطور عمانوئيل پاليولوك الثاني على قبول شروط الصلح، ليتفرغ لقتال الحلف الأوروبي الصليبي في البلقان، وبعد أن تم له النصر على هذا الحلف وأمن الجبهة البلقانية وسيطر على قسم من شبه جزيرة المورة، التفت بايزيد مجددا نحو القسطنطينية بعد أن امتنع الإمبراطور البيزنطي عن الوفاء بالتزاماته تجاه الدولة العثمانية، فقام بعزل العاصمة عن محيطها، وأحكم الحصار عليها بأن بنى على شاطئ الأناضول قلعة «أناضولي حصار» على مسافة ثمانية كيلومترات منها على ساحل مضيق البوسفور، وكاد العثمانيون يفلحون بالدخول إلى العاصمة لولا الاجتياح المغولي للمنطقة بقيادة تيمورلنك، فاضطر بايزيد إلى فك الحصار عن القسطنطينية والسير لملاقاة المغول في سهول أنقرة، بعد أن جدد شروط المعاهدة السابقة مع الروم وأضاف إليها شروطا أخرى.

 وفاة بايزيد الأول في الأسر :

بعد أن أسره تيمورلنك في معركة أنقرة، انقسمت الدولة العثمانية إلى دويلات وإمارات، فقام سلطان الروملي موسى بن بايزيد بمحاصرة القسطنطينية ليستأثر بها لنفسه، فاستنجد إمبراطورها بشقيق موسى، محمد (المشهور باسم محمد الأول)، فأتى مسرعا وأجبر أخاه على رفع الحصار عن المدينة بالتعاون مع أمير الصرب، ثم قبض على أخيه وقتله.

 

آخر الحصارات العثمانية للقسطنطينية :

قبل فتحها كانت حصار السلطان مراد الثاني بن محمد ، الذي توجه على رأس قوات كثيفة تقدر بخمسين ألف جندي إلى القسطنطينية وحاصرها يوم 3 رمضان سنة 825م للانتقام من الإمبراطور عمانوئيل الثاني الذي أطلق سراح عمه الذي لجأ إلى القسطنطينية ، الشاهزاده مصطفى چلبي الذي طالب بالعرش العثماني، وأغراه بالخروج على ابن أخيه، فكان لابد من الاقتصاص من الروم بعد هذا، فاشتبك العثمانيون معهم في قتال عنيف عند أسوار القسطنطينية، لكنهم رجعوا بدون أن يتمكنوا من فتحها نتيجة نشوب ثورة في الأناضول تزعمها أمراء القرمان والكرميان بقيادة الشاهزاده مصطفى.

وفي يوم 16 محرم سنة 855ه الموافق سنة 1451م اعتلى محمد بن مراد عرش آل عثمان، فعرف ب محمد الثاني، ولم يكن خارجا عن سلطانه حينها إلا جزء من إمارة القرمان ومدينة سينوپ ومملكة طرابزون الرومية بآسيا الصغرى، وصارت الإمبراطورية البيزنطية قاصرة على مدينة القسطنطينية وضواحيها، فبدا واضحا أن أيامها أصبحت معدودة.

خير الأمير اميرها محمد الفاتح ” محمد الثاني” :

صاحب البشارة الملك المجاهد والسلطان الغازي أبي الفتح والمعالي محمد خان الثاني بن مراد بن محمد العثماني

– نشأته :

هو سابع سلاطين آل عثمان وخامس من تلقب بلقب سلطان بينهم بعد والده مراد وجده محمد الأول وجداه بايزيد ومراد، وثاني من لقب بالثاني من سلاطين آل عثمان، و يلقب بصاحب البشارة اعتقادا من جمهور المسلمين أن نبوءة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، القائلة بفتح القسطنطينية قد تحققت على يديه، كما لقب في أوروبا بالتركي الكبير.
ولد محمد الثاني في السراي السلطانية بمدينة أدرنة، عاصمة الدولة العثمانية آنذاك، واختلف في تحديد يوم مولده.

– توليه الخلافه : جلس محمد الثاني على عرش الدولة العثمانية مرتين :

– في الأولى :

بعد وفاة شقيقه الأكبر علاء الدين واعتزال والده مراد الحياة السياسية بعد تلقيه هزيمة نكراء على يد تحالف صليبي، فانقطع للعبادة وترك شؤون الحكم لولده.
وفي تلك الفترة كان السلطان الجديد ما يزال قاصرا، فلم يتمكن من الإمساك بمقاليد الحكم إمساكا متينا فاستغلت اوروبا حداثة سن السلطان ففسخت الهدنة التي أبرمتها مع والده، وجهزوا جيوشا لمحاربة الدولة العثمانية، و قامت عساكر الإنكشارية بالخروج عن امر السلطان محمد ، وعاثوا فسادا في العاصمة أدرنة ، فأجبر السلطان مراد على الخروج من عزلته والعودة إلى السلطنة لانقاذها من الأخطار المحدقة بها، فقاد جيشا جرارا والتقى بالعساكر الصليبية وانتصر عليها انتصارا كبيرا، وأشغل جنوده بالحرب في أوروبا، وبالأخص في الأرناؤوط، لإخماد فتنة إسكندر بك الذي شق عصا الطاعة وثار على الدولة العثمانية.

– المره الثانيه :

توفى السلطان مراد قبل أن يتم مشروعه بالقضاء على اسكندر بك ، فاعتلى ابنه محمد العرش للمرة الثانيه، التي قدر لها أن تكون مرحلة ذهبية في التاريخ الإسلامي.

 

– الاستعداد لفتح القسطنطينية :

قام السلطان محمد الفاتح ببناء قلعة روملي حصار على البوسفور من الطرف الأوروبي مقابل قلعة عثمانية شيدت على البر الآسيوي زمن السلطان بايزيد الثاني.
و كذلك اعتنى بجمع الأسلحة اللازمة لدك حصون المدينة، واعتمد على مهندسين لتطوير صناعة المدافع المتطورة، كما طور الأسطول العثماني وزاد في تسليحه حتى وصل لقرابة أربعمائة سفينة حربية ليكون مؤهلا للقيام بدوره في الهجوم على القسطنطينية.

من ناحية أخرى وقع السلطان الفاتح قبيل هجومه على القسطنطينية معاهدات وهدن مع أعدائه المختلفين ليتفرغ لعدو واحد، فعقد معاهدة مع إمارة (غلطة) المجاورة للقسطنطينية من الشرق ويفصل بينهما مضيق القرن الذهبي، كما عقد معاهدات مع (المجد) و(البندقية) وهما من الإمارات الأوروبية المجاورة، ولكن هذه المعاهدات لم تصمد حينما بدأ الهجوم الفعلي على القسطنطينية.

 

الهجوم على القسطنطينية :

كانت القسطنطينية محاطة بالمياه البحرية في ثلاث جبهات، مضيق البسفور، وبحر مرمرة ، والقرن الذهبي الذي كان محميا بسلسلة ضخمة جدا تتحكم في دخول السفن إليه، بالإضافة الى ذلك فإن خطين من الأسوار كانت تحيط بها من الناحية البرية من شاطئ بحر مرمرة إلى القرن الذهبي، يتخللها نهر ليكوس، وكان بين السورين فضاء يبلغ عرضه 60 قدما ويرتفع السور الداخلي منها 40 قدما وعليه أبراج يصل ارتفاعها إلى 60 قدما، وأما السور الخارجي فيبلغ ارتفاعه قرابة خمسة وعشرين قدما وعليه أبراج موزعة مليئة بالجند، وبالتالي فإن المدينة من الناحية العسكرية تعد من أفضل مدن العالم تحصينا، لما عليها من الأسوار والقلاع والحصون إضافة إلى التحصينات الطبيعية وبالتالي فإنه يصعب اختراقها، ولذلك فقد استعصت على عشرات المحاولات العسكرية لاقتحامها ومنها إحدى عشرة محاولة إسلامية سابقة.

كان السلطان محمد يكمل الاستعدادات و يجمع أخبار المدينه ويجهز الخرائط اللازمة لحصارها، كما كان يقوم بنفسه بزيارات استطلاعية يشاهد فيها استحكامات القسطنطينية وأسوارها، وقد عمل السلطان على تمهيد الطريق بين أدرنه والقسطنطينية لكي تكون صالحة لجر المدافع العملاقة خلالها الى القسطنطينية، وقد تحركت المدافع من أدرنه الى قرب القسطنطينية، في مدة شهرين حيث تمت حمايتها بقسم الجيش حتى وصلت الأجناد العثمانية يقودها الفاتح بنفسه إلى مشارف القسطنطينية في يوم الخميس 26 ربيع الأول 857ه الموافق 6 أبريل 1453م.

حاول البيزنطيون أن يبذلوا قصارى جهدهم للدفاع عن القسطنطينية ووزعوا الجنود على الأسوار، وأحكموا التحصينات وأحكم الجيش العثماني قبضته على المدينة. وبرزت عبقرية الفاتح أثناء الحصار، حيث لاحت للسلطان فكرة بارعة وهي نقل السفن من مرساها في بشكطاش إلى القرن الذهبي، وذلك بجرها على الطريق البري الواقع بين الميناءين مبتعدا عن حي غلطة خوفا على سفنه من الجنوبيين، وقد كانت المسافة بين الميناء نحو ثلاثة أميال، ولم تكن أرضا مبسوطة سهلة ولكنها كانت وهادا وتلالا غير ممهدة.

 

تنفيذ الفكره العبقريه للسلطان محمد الثاني :

جرت السفن من البوسفور الي البر حيث سحبت على تلك الأخشاب المدهونة بالزيت مسافة ثلاثة أميال، حتى وصلت إلى نقطة آمنة فأنزلت في القرن الذهبي، وتمكن العثمانيون في تلك الليلة من سحب أكثر من سبعين سفينة وإنزالها في القرن الذهبي على حين غفلة من العدو، بطريقة لم يسبق إليها أحد قبل ذلك، وقد كان يشرف بنفسه على العملية التي جرت في الليل بعيدا عن أنظار العدو ومراقبته.

كان هذا العمل عظيما بالنسبة للعصر الذي حدث فيه بل معجزة من المعجزات، تجلى فيه سرعة التفكير وسرعة التنفيذ، مما يدل على عقلية العثمانيين الممتازة، ومهارتهم الفائقة وهمتهم العظيمة، لقد دهش الروم دهشة كبرى عندما علموا بها، فما كان أحد ليستطيع تصديق ما تم.

لكن الواقع المشاهد جعلهم يذعنون لهذه الخطة الباهرة، ولقد كان منظر هذه السفن بأشرعتها المرفوعة تسير وسط الحقول كما لو كانت تمخر عباب البحر من أعجب المناظر وأكثرها إثارة ودهشة، ويرجع الفضل في ذلك إلى الله سبحانه وتعالى ثم الهمة السلطان وذكاءه المفرط وعقليته الجبارة، وإلى مقدرة المهندسين العثمانيين، وتوفر الأيدي العاملة التي قامت بتنفيذ ذلك المشروع الضخم بحماس ونشاط.

ظهر اليأس في أهل القسطنطينية وكثرت الإشاعات والتنبؤات بينهم، وانتشرت شائعة تقول: ستسقط القسطنطينية عندما ترى سفن تمخر اليابسة” وكان لوجود السفن الإسلامية في القرن الذهبي دور كبير في إضعاف الروح المعنوية لدى المدافعين عن المدينة الذين اضطروا لسحب قوات كبيرة من المدافعين عن الأسوار الأخرى لكي يتولوا الدفاع عن الأسوار الواقعة على القرن الذهبي إذ أنها كانت أضعف الأسوار، ولكنها في السابق تحميها المياه، مما أوقع الخلل في الدفاع عن الأسوار الأخرى.

 

فتح من الله ونصر قريب :

عند الساعة الواحدة صباحا من يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى سنة 857ه الموافق 29 مايو 1435م بدأ الهجوم العام على المدينة بعد أن أصدرت الأوامر للمجاهدين الذين علت أصواتهم بالتكبير وانطلقوا نحو الأسوار، وخاف البيزنطيون خوفا عظيما، وشرعوا في دق نواقيس الكنائس والتجأ إليها كثير من النصارى وكان الهجوم النهائي متزامنا بريا وبحريا في وقت، وكان الهجوم موزعا على كثير من المناطق، ومع استبسال البيزنطيين وشجاعة العثمانيين كان الضحايا من الطرفين يسقطون بأعداد كبيرة.

نجح الجيش العثماني اخيرا في الدخول و اقتحم أسوار المدينه المنيعه و توجه إلى قلب المدينة، توجه محمد الفاتح إلى كنيسة آيا صوفيا وقد اجتمع فيها خلق كبير من الناس ومعهم القسس والرهبان الذين كانوا يتلون عليهم صلواتهم وأدعيتهم، وعندما اقترب من أبوابها خاف النصارى داخلها خوفا عظيما، وقام أحد الرهبان بفتح الأبواب له فطلب من الراهب تهدئة الناس وطمأنتهم والعودة إلى بيوتهم بأمان، فاطمأن الناس وكان بعض الرهبان مختبئين في سراديب الكنيسة فلما رأوا تسامح الفاتح وعفوه خرجوا وأعلنوا إسلامهم، وقد أمر الفاتح بعد ذلك بتحويل الكنيسة إلى مسجد وأن يعد لهذا الأمر حتى تقام بها أول جمعة قادمة.

وقد اعطى السلطان للنصارى حرية إقامة الشعائر الدينية واختيار رؤسائهم الدينين الذين لهم حق الحكم في القضايا المدنية، كما أعطى هذا الحق لرجال الكنيسة في الأقاليم الأخرى ولكنه في الوقت نفسه فرض الجزية على الجميع.

 

أثر فتح القسطنطينية على العالم الأوروبي والإسلامي :

يعتبر فتح القسطنطينية من أهم أحداث التاريخ العالمي، وخصوصا تاريخ أوروبا وعلاقتها بالإسلام حتى عده المؤرخون الأوروبيون ومن تابعهم نهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة. وقد تأثر الغرب النصراني بنبأ هذا الفتح، وانتاب النصارى شعور بالفزع والألم والخزي، وتجسم لهم خطر جيوش الإسلام القادمة من استنبول، وبذل الشعراء والأدباء ما في وسعهم لتأجيج نار الحقد وبراكين الغضب في نفوس النصارى ضد المسلمين، وعقد الأمراء والملوك اجتماعات طويلة، وتنادى النصارى إلى نبذ الخلافات بينهم.

وكان البابا نيقولا الخامس أشد الناس تأثرا بنبأ سقوط القسطنطينية، وعمل جهده وصرف وقته في توحيد الدول الإيطالية وتشجيعها على قتال المسلمين، وترأس مؤتمرا عقد في روما أعلنت فيه الدول المشتركة عن عزمها على التعاون فيما بينها وتوجيه جميع جهودها وقوتها ضد العدو المشترك.

 

وأما آثار هذا الفتح المبين في المشرق الإسلامي :

عم الفرح والابتهاج المسلمين في ربوع آسيا وأفريقيا فقد كان هذا الفتح حلم الأجداد وأمل الأجيال، ولقد تطلعت له طويلا وها قد تحقق وأرسل السلطان محمد الفاتح رسائل إلى حكام الديار الإسلامية في مصر والحجاز وبلاد فارس والهند وغيرها؛ يخبرهم بهذا النصر الإسلامي العظيم. وأذيعت أنباء الانتصار من فوق المنابر، وأقيمت صلوات الشكر، وزينت المنازل والحوانيت وعلقت على الجدران والأعلام والأقمشة المزركشة بألوانها المختلفة.

فكان فتح القسطنطينية نصرا وفتحا مبينا رفع مكانة الدولة العثمانية، ومهد الطريق لنشر رسالة الإسلام في أنحاء أوروبا، وتوسعت الانتصارات التي أطالت من حكم الدولة العثمانية قرونا وقرون.

الكاتب : أكرم رمضان كاتب
اخبرنا شيئا عن نفسك.

إنضم إلينا وشارك!

إنضم إلينا الان
انضم إلى مجتمعنا. قم بتوسيع معرفتك وشارك أفكارك ومقالاتك!

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن