عبقرية اللغة في نقل المعاني

     عُرِفَتْ حركة التَّرجمة بأنَّ أهم ما تتسم به هي تحريف المعاني, أو تشويه النصوص, وليس التَّحريف أو التَّشوية في حركة التَّرجمة مقصودًا لذاته أو هو التَّعمد من المترجمين للنصوص أن يشوهوه, بل هو نقل المعاني من اللغة إلى اللغة بأدق من يمكن من العبارات الدَّالة على المعاني.

     وإذا إردنا التَّرجمة المطابقة للنصوص فلابد من عدة أمور:

1.معرفة الكلمات التي تؤدى نفس المعاني في النص المراد ترجمته.

2.معرفة البيئة التي كتبت فيها هذه النصوص هل هي بيئة دموية, أم بيئة طبيعية, أم بيئة صحراوية, أم بيئة علمية.

3.معرفة الأحاسيس والمشاعر التي أحاطت بتلك النصوص حال نطقها أو كتابتها .

4.معرفة الأغراض البلاغية في النصوص المراد ترجمتها لوضع ما يوازيها في اللغة الأخري .

 

وفي الغالب وأكثر ظنِّى أنَّ المترجم يجتهد ويتعب كثيرًا في معرفة المعاني التي تؤدي نفس الكلمات في النصوص المترجمة, وإغفال باقي النِّقاط الأخري في الترجمة هو الذي يشوه النص أو يكون محرفا له.

ولكن كيف استوعبت اللغة العربية تلك المعاني المشار إليها في نقل كلمات الآخرين إلى تلك اللغة العبقرية السامقة الجذابة؟

كيف استطاعت نقل تلك المشاعر والأحاسيس التي تحيط بالنصوص لنعرف من وراء وراء بعض المعاني التي لم تذكر صراحة في النصوص المنقولة في أجيال لم تكن عربية ولا تعرف العربية؟

ظهرت هذا العبقرية في استيعاب كثير من المواقف التي فهمنا من سياق الكلمات المترجمة وتركيبها بعضًا إلى بعضٍ من المعاني غير المنصوص عليها والتي كانت مقصودة .

أولها: علمنا من نون التوكيد الثقيلة في كلمة ليسجننَّ في سورة يوسف أن امرأة العزيز تريد سجنه ولا تريد أن يكون من الصاغرين.

ثانيًا: من قول أصحاب موسى إنا لمدركون لأنهم أكدوا لموسى بأنهم مدركون فهم في شك من نصرة الله لهم لذا وضح لهم موسى نافيًا هذا المعني قائلًا : إن معي بالتعبير عن المفرد وليس الجماعة بخلاف الرسول ﷺ عندما قال للصديق : إنَّ الله معنا .

ثالثا: كذب فرعون في إيمانه في كلامه أنه آمن بما آمنت به بنو إسرائيل ولم ينطق صراحة بربي أو إلهي ولكنه عبر بإيمان أصحاب موسي.

هذه نماذج تدل على نقل الكلمات والمشاعر والبيئة التي قيلت فيها هذه الكلمات والتي تعجز عنها كثير من اللغات الأخرى غير العربية وهذا ما يجعلنا نفخر باللغة العربية ونريد أن نكون من فصحائها.

إنَّ اللغة العربية قادرة على نقل إحساس الكائنات غير الإنسانية, وانظر الحوار التقريري الذي يقدمه الهدهد لسليمان وهو يستنكر ما قامت به المرأة العابدة للشمس مع قومها وهو يتألم بذلك المشهد الذي شاهده ويستنكر كيف تعبد ربًا ولا يسجدون لله الذي يخرج الرزق من تحت الأرض, وهو لدليل قاطع على نقل هذا الإحساس ووصله إلينا بما أراده هذا الهدهد.

وكذلك الحوار الذي تم بين النمل وهو الحوار التحذيري المفعم بالشفقة والحرص على باقي الزميلات من النمل, فمع نقل اللغة لهذا الحوار نقلت تلك المشاعر ووصلت بكل معانيها في الشفقة والرحمة والحرص على بني الجنس.

بل حفظت لنا اللغة مشاعر جذع النخلة وكلما قرأت كيف أنَّ الجذع أنين الأطفال فهمنا الحزن لهذا الجذع لفراقه لرسول الله ﷺ, وهو نقل مشاعر على الحقيقة وليست نقلًا متخيلًا لرواية أدبية بل هو النقل الحقيقي لهذه المشاعر.

 إنَّ براعة اللغة العربية جديرة لنقل تلك المعاني بالأحاسيس والمشاعر مع دقة الوصف ووضوح الصورة المنقولة.

 

استمتعت بهذا المقال؟ ابق على اطلاع من خلال الانضمام إلى النشرة الإخبارية لدينا!

التعليقات

يجب أن تكون مسجلا للدخول لتكتب تعليق.

عن المؤلف
أخر المقالات