الحظ بين الفلسفة والقدر

يمر الحظ كخيط ذهبي عبر نسيج التاريخ الفكري، حيث يجمع بين الفلاسفة والأباطرة و اللاهوتيين والآلهة القديمة والعبيد والعلماء كُلًّ على صعيدٍ واحدٍ، وعلى الرغم من كل القدرات والتخيلات والمعرفة التي كرسها البشر على مر السنين للقضاء على الحظ السيء ومحاولة إضفاء السعادة عليه أو تجنب المصائب: إلا أن كان هناك العديد من الأساطير اللاهوتية البدائية التي جعلت الحظ مترجمًا للقدر، وبُذلت فيه جهودًا كاملة للتعامل مع تأثيره وسطوته، وظهرت تقنيات رياضية مستحدثة لتحليله، وجعْلهِ وسيلة لكسب العيش من قبل الآفاقين أو ما يُطلق عليهم ب “تجار الأمل”. ومع ذلك، لم نستطع قمع هذا الوحش المورث أو قهرة. 

يعتقد البروفيسور” ستيفن هيلز” رئيس قسم الفلسفة بجامعة بلومزيبرغ،   أن لديه الآن نظرية علمية لشرح الإخفاقات التراكمية للبشرية طوال الوقت وقال: كنا نحارب أو نسترضي الوحوش الأسطورية غير الموجودة حقًا، والأمر كله يتعلق بوجهات نظر الناس للعالم والمواقف الذاتية تجاه الأحداث من حولهم. 

وحتى يختبر هيلز نظريته أجرى مع زميلته جينيفر جونسون عدة تجارب، نُشرت نتائجها في مختلف المجلات الأكاديمية الخاصة بعلم النفس الفلسفي، والتي أكدت فرضيته: أن الأشخاص المتفائلون بطبيعتهم سيجعلون الآخرين يشعرون بالتفاؤل، بينما يرى المتشائمون نفس التجربة كعلامة على سوء الحظ، وحتى يختبر هيلز فرضيته استخدم قصص حظ غريبة وطلب من عينة من المشاركين الإشارة إلى ما إذا كان أبطال هذه القصص سعداء أو غير سعداء بعد تحديد نظرتهم للحياة بناءً على اختبارات مستقلة. على سبيل المثال، قصة تسوتومو ياماغوتشي، الموظف الياباني العادي في شركة Mitsubishi Heavy Industries، الذي ذهب في رحلة عمل إلى هيروشيما في عام 1945 ميلادي، ونجا من القنبلة النووية التي أسقطها الأمريكيون في نهاية الحرب العالمية الثانية، وقبل أن يرد إلى ناجازاكي (مقر عمله) ينجو للمرة الثانية من القنبلة النووية الأمريكية المُلقاة على المدينة الثانية قبل استسلام اليابان.

أظهر بحث هيل وجود علاقة طردية مهمة بين مستوى تفاؤل الشخص وكيف يصف طبيعة حظ شخص آخر في تجربة حياة معينة. على سبيل المثال يرى المتفائلون أن ياماغوتشي كان محظوظًا لأنه كان الياباني الوحيد الذي نجا من هجومين خطرين بالقنابل، بينما رأى المتشائمون أن هذا الرجل قد يكون الرمز المثالي لسوء الحظ. عندما يتم إعادة صياغة القصة بعبارات إيجابية أو سلبية، تتغير مواقف الأطراف؛ وبالتالي، فإن تصورات الناس للحظ لا تبدو نهائية ولا متسقة، متأثرة بالسياق الذي يتم تقديمه فيه، وغالبًا ما تكون غير متوقعة. يؤدي هذا تلقائيًا إلى بوابة مثيرة للنقاش حول ما يسميه العلماء “عامل الحظ”، والذي يزعم أنه نبوءة شخصية تحقق ذاتها. وفي إحدى التجارب، وضع ريتشارد وايزمان أستاذ علم النفس التجريبي، إعلانًا من نصف صفحة في صحيفة يومية يعد بمكافأة مالية مقابل الرد على الإعلان، بالطبع اعتبر المتشائم نفسه قطعًا سيئ الحظ ولم يستجب للإعلان، بينما رد المتفائل وحصل على المكافأة وشعر بأنه محظوظ أكثر.

فبالطبع، يمكن للشعور بسوء الحظ أن يخلق الخوف والقلق، وهذا يجعل من الصعب على مالكيها استغلال فرصهم أكثر من أولئك الذين يعتبرون أنفسهم أكثر حظًا.

تمتلئ نصوص هيلز في جميع مراحل رحلته بالحكايات عن الحظ، والتي تضفي دفئًا ملحوظًا على مناقشة صريحة – ربما تكون مقلقة للكثيرين.

 لقد تجسد الإغريق القدامى الحظ وكان لديهم اسم أنثوي (Toucheh)، يُعتقد أنها ابنة إلههم الأسطوري زيوس، والذي أطلق عليه الرومان فيما بعد (فورتونا). يذكر هيلز أنه ربما كان من المهم أن الإمبراطور قسطنطين أثناء بناء روما الجديدة (القسطنطينية) كعاصمة مسيحية، لا يزال يحتفظ بمعبد مخصص للإلهة (فورتونا). قبل الإغريق والرومان والبيزنطيين، وكان الفراعنة المصريون يوزعون التقويمات، يومًا بعد يوم يقررون أين يكمن الحظ في المصالح البشرية: لا تسافر في الأنهار في هذا اليوم، ولا تأكل أنواع الطعام الموجودة فيها، إلخ. . لقد ورثتنا معظم شعوب العالم القديم تعويذات لحسن الحظ والحماية من الشر، وهو أصل بعض الرموز الأسطورية التي لا تزال متداولة حتى اليوم، مثل الخرز الأزرق وخطافات اليد المنحوتة.

على الرغم من أن النصوص القديمة والوثائق مليئة بقصص عن ربط الحظ بالقدر، إلا إن الرواقيون أحدثوا نقلة نوعية في الفلسفة الإنسانية للتعامل مع الحظ، وتمردوا على سلطته من خلال التخلي عن الطموحات وقمع العواطف التي قد تجعلهم من حيث المبدأ بحاجة إلى الحظ، حتى أن أحد الفلاسفة يدعى “سينكا”، ذهب إلى حد اعتبار ما يعتقد الناس أنه هدية الحظ، لكنهم فعلوا فقط على العكس، لأنهم استخدموا إغراءات كاذبة لإغراء الناس واعطائهم الأمل الزائف، فالسعادة البشرية تأتي بالكامل من مصالحة الذات مع نفسها. 

أما بالنسبة للأديان التوحيدية، فهي تحصر كل الأقدار صراحة في الخالق وتدين كل ما قد يسيء إلى القبول الكامل لإرادة الخالق – على الرغم من استمرار العديد من المجتمعات المحلية في العالمين المسيحي والإسلامي في نشر الممارسات والأشياء المتعلقة بالخالق، والتعامل مع الحظ على أنه تراث ثقافي بسيط لا يتعارض بشكل مباشر مع الاعتقاد.

حكمة: لا تجعل الحظ حجتك، فالحظ هو حجة الفاشل، سواء كان حظك سيئًا أم جيدًا سيظل دائمًا معك، ولكنه غالبًا ما يبقى إذا كنت متفائلًا، ويفر إذا كنت متشائمًا، ومع ذلك لا يجب أن تؤمن به، بل يجب أن تؤمن بالقضية والتأثير، وألا تجعله يقودك نحو مستقبل مظلم، فقط، كن متفائلًا واستمتع بكافة فترات حياتك.

الكاتب : إسراء محمد كاتب نشيط
اخبرنا شيئا عن نفسك.

إنضم إلينا وشارك!

إنضم إلينا الان
انضم إلى مجتمعنا. قم بتوسيع معرفتك وشارك أفكارك ومقالاتك!

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن