عندما أفكر في التوازن، أفكر في المشي للأمام بشكل مستقيم، حيث الصورة التي تتبادر إلى الذهن هي ركوب الدراجة، حيث وزنك موزع بالتساوي بين الجانبين، بغض النظر عن القدم – أو بدال الدراجة – التي أمامك، فإنك تشعر بالثقة بشأن المضي قدمًا.
يتم تداول مصطلح “التوازن بين العمل والحياة” كثيرًا، لكنه قد يكون ضرره أكثر من نفعه، إذا سألت معظم المهنيين، فمن غير المرجح أن يقولوا إن العمل والحياة يبدوان “متوازيين” في أي يوم، كما إن التفكير في “التوازن” كمعيار للنجاح يجعلنا نشعر بالفشل في معظم الأوقات.
يأتي العمل والحياة على شكل زيادات يمكن أن تستهلك الكثير، عندما تركز بشدة على تحقيق التوازن خلال يوم واحد – أو حتى أسبوع – فقد تشعر بالإحباط أو الاستياء أو الانزعاج أو تعتقد أن ما تفكر به ما هو إلا نظريات على الورق.
المفتاح لحل هذا الاستياء أو الانزعاج ليس “التوازن” حقًا، بل التكامل، إن التكامل الناجح بين العمل والأسرة هو لعبة طويلة تستغرق الكثير من الوقت والجهد، لذلك فإن دمج احتياجات العمل اليومية واحتياجات الحياة يدور حول تعلم إعادة ترتيب الأولويات (مع ضرورة تواجد التعاطف والمرونة) – أحيانًا على أساس يومي أو كل ساعة. (يمكنك مراجعة مؤلفي بعنوان: الملهمون)
العمل من المنزل
العمل من المنزل كان بمثابة حقيبة مختلطة وربما رغبة إلى حد ما، وهذا ما تم اختباره من الكثير أثناء فترة الوباء، فقد وجد البعض أنفسهم أكثر قدرة على تحقيق التوازن بين متطلبات العمل والأسرة، من خلال قضاء المزيد من الوقت مع العائلة، وقضاء وقت أقل في التنقل، والحصول على مزيد من الراحة.
ولكن من ناحية أخرى، لم يستمتع البعض نتيجة ما شعروا به من الانفصال ومزيد من العزلة الاجتماعية والتي تسببت في تأثير ضار على الانتماء.
لماذا يعد دمج الأسرة والعمل أمرًا مهمًا للغاية؟
هناك العديد من الأبعاد التي تحدد طبيعة موظفيك في العمل، فمن خلال الأبحاث، نعلم أن الموظفين يكونون أكثر إنتاجية وأكثر تفاعلاً عندما تتبع مؤسساتهم نهجًا شاملاً لنموهم -بدلاً من التركيز فقط على القدرات القيادية التقليدية.
عندما يشعر الموظفون أنهم لا يستطيعون تحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية بنجاح، فإن مستوى التوتر لديهم يرتفع بشكل كبير، وهذا التوتر بدوره يزيد من احتمالات الإصابة بأمراض جسدية وربما عقلية، فهو يزيد من احتمالية القلق والإرهاق، وأمراض القلب ،والأوعية الدموية ،والاكتئاب.
كما يزيد التوتر أيضًا من احتمالية الاستقالة، حيث أفاد المعهد الأمريكي للإجهاد أن 80% من الموظفين يشعرون بالتوتر بسبب العمل، وأن ما يقرب من 1 من كل 5 يتركون وظائفهم في النهاية بسبب ذلك.
بكل أسف أن كثير من أصحاب العمل والمهنيون يتبعون الأسطورة القائلة بأن الضغط جزء ضروري لضمان جودة الأداء، ومع ذلك فإن هذا الضغط يضر الأداء وأيضا الصحة العقلية والجسدية، كما أنه غالبًا ما يجعل الموظفون أسوأ، لهذا فان ما يسمى “المكاسب” قصيرة الأمد لا تستحق التأثيرات طويلة المدى على الموظفين وأسرهم، سواء كان هذا من خلال انخفاض الصحة العامة أو الرضا الوظيفي، وهنا لقد حان الوقت لإلقاء نظرة مستقبلية على كيفية جعل الحياة المهنية تتناسب بشكل أفضل مع الحياة الشخصية.
طرق لتحقيق توازن أفضل بين الأسرة والعمل – دون التضحية بكليهما
على الرغم من أن العمل والحياة الأسرية يبدوان مختلفين في تفاصيلهم من شخص لآخر، إلا أنه يمكن القول إنهم أهم عنصرين في حياة الفرد، لذلك فإن العثور على طريقة لتحقيق التوازن الصحيح بين الاثنين أمر بالغ الأهمية لصحتنا ونجاحنا على المدى الطويل، لذلك لا ينبغي أن يشعر الاشخاص أنه يتعين عليهم اختيار أحدهما على الآخر، فكلاهما ضروري.
وكما هو الحال مع معظم التحديات، من الأفضل مهاجمة التوازن بين العمل والأسرة من زوايا متعددة، لذلك على أصحاب الأعمال والمديرين القيام بالكثير لتقليل التوتر الذي يتعرض له موظفوهم، فعندما يقوم المديرون بدور نشط في منع الإرهاق والضغوطات، يصبح موظفوها أكثر تفاعلاً وإنتاجية وأكثر احتمالية للبقاء نتيجة ازدياد الرضا الوظيفي والانتماء، وهنا سوف نطرح بعض الأفكار للموظفين وأصحاب الأعمال بهدف تحسين التوازن بين العمل والأسرة:
أولا أفكار خاصة بالموظفين
1. حدد مصدر المشكلة
يمكن معظمنا تحديد الوقت الذي نشعر فيه بالضغط أو التوتر، ولكن لا يمكننا دائمًا تحديد مصدر ذلك التوتر ولهذا حاول الإجابة على ما يلي:
- عندما أكون في العمل، أشعر بالتوتر بشأن…
- عندما أكون مع عائلتي، أفكر في…
- لو كان لدي وقت ومال غير محدود، لفعلت…
- العائق الأول أمام تحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية هو…
تمرين بسيط يمكن أن يكون تحديًا لك، ولكن حاول أن تمارسه، عذرا إذا كان سوف يثير شعورك بالذنب، أو التعثر، أو الاستياء، أو اليأس، ولكن إذا شعرت بالغضب، حاول أن تأخذ نفسًا عميقًا، وقم بوصف المشاعر التي شعرت بها، وحاول إعادة التفكير فيها لاحقا أو التحدث مع أحد المتخصصين أو أصحاب الخبرات.
في نهاية التمرين سوف تعرف ما تشعر به وما هو مصدر هذه المشاعر، ومن هنا سوف تتمكن من البدء في معالجة هذه المشاعر، ومن ثم سوف تحدد هل أنت في حاجة إلى المزيد من الدعم، أو المزيد من وقت الفراغ، أو ربما المزيد من الموارد؟ ولكن نصيحة أيًا كان ما يخطر ببالك من مشاعر أو أفكار، اكتبه، حتى لو كنت لا تعتقد أنه حل محتمل.
2. تحدث مع عائلتك
بمجرد أن تبدأ في تدوين أفكارك ومشاعرك، خطط لبعض الوقت للتحدث مع أفراد عائلتك، أخبرهم بما تشعر به، وما تعتقد أنه سيكون مفيدًا لك، للتعرف على أثر ذلك عليهم، ومع ذلك لا تتسرع في التوصل إلى حل، فعلى سبيل المثال، قد تشعر وكأنك تعمل دائمًا لوقت متأخر في اليوم، وتطلب الوجبات الجاهزة عدة مرات في الأسبوع، وهذا يشعرك بالسوء، لأنك نشأت في منزل كان يتناول وجبات عائلية مطبوخة، ولكن عند النقاش مع عائلتك، قد تكتشف أنهم لا يهتمون بذلك أو ربما إنهم يحبون طلب الوجبات الجاهزة، أو أن ما يهتمون به حقًا هو قضاء المزيد من الوقت معك.
حيث يمكن أن تساعدك مثل هذه المحادثات على إعادة تحديد أولوياتك وقيمك العائلية، لذلك تحدث مع أفراد عائلتك عن روتينك اليومي واكتشف ما إذا كان بإمكانك تحديد الفرص لنوع الاتصال الذي يحدث فرقًا، كما امنح نفسك الإذن بالتخلي عن أشياء معينة تعطي لك بعض المساحة، على أن تقم بتضمين وقت العائلة في جدولك الزمني، واجعله مقدسًا حتى يعرفوا ما يمكن توقعه منك.
3. اطلب المساعدة
تأكد أن التغيير لا يحدث بين عشية وضحاها، فمن المحتمل أن تعني إعادة التوازن بين العمل والحياة الأسرية أنه يتعين عليك وضع حدود بطرق جديدة. قد يتطلب هذا الجزء من الخطة بعض إعادة المعايرة وبعض المحادثات الإضافية، لذلك لق نظرة واقعية على جدول عملك، واسأل نفسك هل ساعات العمل الطويلة ضرورية؟ هل هناك شيء آخر يمكنك تغييره حتى تتمكن من الحصول على جدول زمني أكثر قابلية للتنبؤ به؟ على سبيل المثال، أنا لدي جداول زمنية مرنة، لكنني أميل إلى العمل لوقت متأخر عندما أحتاج إلى إنهاء مشروع ما.
قد يكون التحسن في إنهاء العمل في الوقت المحدد في الحالة السابقة أنه كان على أن أقول لا للقيام بالمهمات مع العائلة خلال النهار، أو أن تدرك عائلتي أنني إذا أخذتهم إلى موعد أو مناسبة أثناء النهار، فمن المحتمل أن أعوض ذلك في الليل.
كما إذا كنت بحاجة إلى مزيد من المرونة في العمل بسبب ازديادا عبء العمل أو ضيق وقت المهام، عليك أن تتواصل مع مديرك، تذكر أن الجميع يفوز عندما تعتني بنفسك وبصحتك العقلية، حيث يمكن لمديرك مساعدتك في ضبط جدولك الزمني ومناقشة التزاماتك المهنية ومعرفة المزيد حول أي موارد قد تكون متاحة لك.
ثانيا أفكار خاصة بأصحاب الأعمال
يقول أكثر من ثلث الموظفين أن تحقيق التوازن بين العمل والحياة الأسرية أصبح أكثر صعوبة في السنوات القليلة الماضية، حيث أوضحت دراسة استقصائية للموظفين أن الأسباب الأكثر شيوعًا الآن تتمثل في زيادة أعباء العمل، وزيادة النفقات دون زيادة في الراتب، والعمل أكثر بعد الزواج والإنجاب.
لقد تغير مكان العمل ولا يزال يتغير خلال السنوات القليلة الماضية، لا يزال كل من أصحاب العمل والموظفين يحاولون معرفة ما ينجح مع استمرار طمس الخطوط الفاصلة بين العمل والمنزل، خصوصا مع أنماط القيادة في بيئاتنا العربية، وهنا سوف نسرد بعض الطرق العملية التي يمكنك من خلالها دعم أعضاء الفريق الذين يعانون من التوازن بين العمل والأسرة:
1. تعرف على أسلوبك القيادي
باعتبارك مديرًا للأفراد، فأنت في أفضل المواقع، بل ويعد المكان المثالي لسد الفجوة بين الشركة وفريقك. تعرف على أي مزايا للموظفين قد تقدمها شركتك والتي تهدف إلى مكافحة ضغوطات العمل، قد يشمل ذلك التدريب على اللياقة العقلية ، أو إنشاء خطة مساعدة الموظفين، أو إجازة مدفوعة الأجر أو أنشطة ترفيهية … وما الي ذلك من خطط تهدف الوصول إلى العلاج والوقاية، لذلك على المديرين خلق البيئة الايجابية المناسبة وتشجيع الموظفين على أخذ الوقت الذي يحتاجونه لأنفسهم ولأفراد أسرهم.
2. تعلم قيادة فرق متنوعة وعن بعد
بالتأكيد عليك اليقين أنك في حاجة إلى إصدارات متعددة للتوازن بين العمل والأسرة بقدر عدد الأفراد في فريق عملك، سيكون لكل فرد من زملائك في العمل احتياجات مختلفة وتوازن مختلف للوقت الذي يقضيه في العمل مقابل الوقت الذي يقضيه مع العائلة ليكون في أفضل حالاته، لذلك كن مستعد ولا تقع في فخ التفكير بمقاس واحد يناسب الجميع.
ومن هنا عليك أن تقضِ بعض الوقت في التعرف على فريقك كأفراد، متى يقومون بأفضل أعمالهم؟ ما الذي يجعلهم يشعرون بالدعم؟ ما الذي يحتاجونه للوصول إلى حالة التدفق؟ تذكر أن تشجيع فريقك على القيام بعمل جيد لا يعني المطالبة بهو لكن ببساطة يتعلق الأمر بتهيئة الظروف لتمكينها.
3. نموذج التوازن بين العمل والأسرة
لا يوجد نموذج موحد يمكن تعميمه على كافة الفرق، لذلك أثناء بحثك عن طرق لدعم الصحة العقلية لموظفيك، تأكد من تنفيذ ما تقوله، فإذا أخذت إجازة (عليك الا ترسل رسائل بريد إلكتروني من الشاطئ)، كما عليك بإضافة وقت التوقف عن العمل إلى يوم العمل، مثل فترات زمنية خالية من الاجتماعات، وأخيرا إذا كنت مؤهلة للحصول على إجازة عائلية أو إجازة مرضية أو أمومة، فلا تختصري الوقت للعودة إلى العمل.
كقائد، فإن ما تفعله لا يقل أهمية عما تقوله، إن لم يكن أكثر أهمية، إذا كنت نموذجًا لممارسات الرعاية الذاتية، فمن المرجح أن يأخذ فريقك الوقت الذي يحتاجونه لأنفسهم أيضًا.
أخيرا يهتم موظفوك بالأداء الجيد في وظائفهم ودعم الشركة، ولكن لا ينبغي أن يُطلب منهم أبدًا الاختيار بين الأسرة والعمل، فلا يجب أن تشعر بالذنب تجاه رغبتك في قضاء وقت كافٍ مع عائلتك، حيث يعد العثور على التوازن الصحيح بين الأسرة والعمل أمرًا بالغ الأهمية لنجاحك ورفاهيتك على المدى الطويل.
لا يتعلق الأمر فقط بتدبير الوقت بين العمل والأسرة، بل يتعلق أيضًا برعاية نفسك. عندما تهتم بنفسك، تكون أكثر قدرة على الاهتمام بمن حولك. ابحث عن طرق لتحقيق التوازن بين مسؤولياتك ووقتك الشخصي، سواء كان ذلك من خلال ممارسة الرياضة، أو قضاء الوقت في الطبيعة، أو مجرد الاسترخاء. تذكر، الاستثمار في نفسك هو استثمار في حياتك بأكملها، كما تذكر أنه لا يمكن لأحد غيرك أن يقول متى يكون لديك المزيج الصحيح.









إنضم إلينا وشارك!
التعليقات